الصفحة 369 من 390

ثم إن هذه بداية علاقة توادّ مهمة مع مدينة دمشق قد تسهِّل له مستقبلًا احتلال المدينة، أو على الأقل تأمين الحدود الشمالية لمملكة بيت المقدس، حيث ستصبح مدينة دمشق كالحاجز بينه وبين قوات المسلمين في حلب والموصل.

لقد كانت فرصة ذهبية لم يضيِّعها الملك فولك الأنجوي!

وجاءت الجيوش الصليبية مسرعةً، وشعر عماد الدين زنكي بالخطر الشديد؛ إذ إنه لو حُصِر بينها وبين الجيش الدمشقي فإنَّ هذا قد يعرِّضه لكارثة عسكرية؛ ولهذا قرَّر عماد الدين زنكي أن يرفع الحصار بسرعة، وأن يتَّجه بجيوشه إلى إقليم حَوْرَان ليقابل جيش الصليبيين بمفرده قبل أن يتَّحد مع الدمشقيين.

كان الملك فولك يتقدَّم في حذرٍ، وعَلِمَ بتقدُّم عماد الدين زنكي إلى إقليم حَوْرَان، فانتظر الملك فولك عند بحيرة طبرية، وخشي أن يواجه عماد الدين زنكي بمفرده؛ فأرسل معين الدين أنر رسالة استغاثة جديدة إلى ريموند بواتييه أمير أنطاكية، فجاء على رأس جيشٍ لينقذ المدينة المحاصَرة دمشق!!

ووجد عماد الدين زنكي أن هذه القوَّات المجتمعة ستمثِّل خطرًا كبيرًا على جيوشه، فانسحب إلى حمص ثم منها إلى الموصل. ومن الجدير بالذكر أن معين الدين أنر أخذ فرقة من جيشه وحاصر مدينة بانياس حتى أسقطها، وذلك بعد قتال شديد مع حاميتها التابعة لعماد الدين زنكي، ثم بعد أن أسقطها سلَّمها لقمةً سائغةً للملك فولك الأنجوي تنفيذًا للاتفاق الذي بينهما [1] !!

فيا عجبًا لهذا الزمن الذي يبذل فيه مسلم وقته وجهده ودمه"لتحرير"بلد مسلم من حكم المسلمين، ثم يقوم بإهدائه لأصدقائه من الصليبيين!

وعاد عماد الدين زنكي رحمه الله بخيبة أمل كبيرة من مأساة هذا البلد الإسلامي الكبير. وواقع الأمر أن دمشق ظلَّت لفترة طويلة من الزمن - من أوَّل قصَّة الحروب الصليبية وطيلة حياة عماد الدين زنكي، وكذلك بعده - عائقًا منيعًا لمشروع الوَحْدة الإسلامية، ولم تُحَلّ مشكلتُهَا الانفصالية إلاَّ مؤخَّرًا في عهد البطل الإسلامي الشهير نور الدين محمود رحمه الله.

عاد عماد الدين زنكي إلى الموصل فوجد أن هناك مشكلة أخرى تفجَّرت، وهي أن أحد القادة التركمان - وكان اسمه قفجاق بن أرسلان تاش التركماني - قد تمركز في مدينة شهرزور شرق الموصل، وجمع حوله عددًا هائلًا من الأنصار، وصار مهدِّدًا بصورة مباشرة لمعقل عماد الدين زنكي في الموصل. ومما زاد من خطورته أنه كان على عَلاقة طيبة جدًّا بالسلطان مسعود؛ فخاف عماد الدين زنكي أن يتلقَّى أوامر سرِّيَّة من السلطان مسعود بغزو الموصل، ومن ثَمَّ فقد انطلق عماد

(1) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 314، وابن العديم: زبدة حلب 2/ 274.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت