الصفحة 370 من 390

الدين زنكي من فوره إلى هذه المنطقة، وكانت واقعةً بين الجبال وفي منتهى الحصانة، واقتتل معهم عماد الدين قتالًا شديدًا، ثم كتب اللهُ له النصر، وفرَّ جنود قفجاق في كل ناحية، وانطلق عماد الدين زنكي لحصار القلاع والحصون في المنطقة فأسقطوها جميعًا، وسيطر عماد الدين زنكي على كل المحاور في هذه الجبال سيطرة تامَّة؛ ومع ذلك فقد قام عماد الدين زنكي بما لا يُتوقَّع في مثل هذه الظروف، فقد أعطى الأمان لقفجاق، ووعده وعدًا حسنًا إن هو عاد إليه. وبالفعل عاد قفجاق إلى عماد الدين زنكي، فأكرمه عماد الدين وولاَّه المناطق التي كانت معه قبل ذلك، وجعله تابعًا له، وقد حَفِظ قفجاق هذا الجميل لعماد الدين زنكي ولأولاده من بعده، ودخل في خدمة آل زنكي، وظلَّ هو وأولاده أوفياء على العهد إلى ما بعد سنة ستمائة من الهجرة [1] ! أي أكثر من ستين سنة بعد هذا الحدث. فانظر إلى جميل صُنْع عماد الدين زنكي، وكيف رسَّخ الأمن في ربوع المنطقة بعفوٍ جميل، وسياسة حسنة.

وفي سنة 535هـ\ 1140م قام ركن الدولة داود بن سقمان بالهجوم على مدينة مَيَّافارقِين التابعة لحسام الدين تمرتاش، الذي استغاث بدوره بعماد الدين زنكي، فأسرع عماد الدين زنكي وهجم على بعض أملاك ركن الدولة داود في أماكن أخرى؛ وذلك لتخفيف الضغط على مَيَّافارقِين، واختار عماد الدين زنكي أن يهجم على قلعة بهمرد القريبة من حصن كيفا، وكان هذا الاختيار ذكيًّا بارعًا؛ حيث كان يقود القلعة قرا أرسلان بن داود، إضافةً إلى قرب القلعة من حصن كيفا، وهذا أزعج داود بن سقمان جدًّا؛ لخوفه أوَّلًا على ابنه المحاصَر في قلعة بهمرد، ولخوفه ثانيًا على أهمِّ معاقله وعقر داره حصن كيفا القريبة من قلعة بهمرد، وهذا الخوف دفعه إلى رفع الحصار عن ميَّافارقين والتوجُّه إلى قلعة بهمرد، ولكن عماد الدين زنكي كان قد حقَّق الانتصار بالفعل، ومَلَك قلعة بهمرد المهمَّة [2] ، وهذا أدَّى إلى استقرار وضعه؛ حيث خشي داود بن سقمان أن يدخل في صدام مباشر مع عماد الدين زنكي.

وفي سنة 536هـ\ 1141م استطاع عماد الدين زنكي أن يضمَّ آمد إلى حكمه، وأن يُدْخِل أبا منصور إيكلدي حاكمها في طاعته، ومن ثَمَّ ترسَّخت أقدامه بشكل أكبر في ديار الجزيرة [3] ؛ ولكن هذه السيطرة أقلقت حسام الدين تمرتاش من جديد، فأظهر التمرُّد، ومدَّ خطوط التفاهم مع خصمه ركن الدولة داود بن سقمان؛ ليعقد حلفًا مشتركًا بعد عداء عدَّة سنوات [4] !

(1) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 315،314.

(2) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 317، وابن العديم: زبدة حلب 2/ 276، وابن واصل: مفرج الكروب 1/ 89، وابن الأزرق: تاريخ الأزرق الفارقي عاى هامش ذيل تارخ دمشق ص267.

(3) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 324، والباهر ص64.

(4) ابن واصل: مفرج الكروب 1/ 89.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت