فهرس الكتاب
لقد كانت أرض الجزيرة فعلًا تموج بالفتن والأهواء!
لجأ عماد الدين زنكي إلى الطرق السياسيَّة لتفتيت هذا الحلف المعادي، فتراسل مع ركن الدولة داود بن سقمان، وعرض عليه أن يتحالف معه هو ويترك حسام الدين تمرتاش، وقد فكَّر داود في الأمر، فوجد أن عماد الدين زنكي أقوى كثيرًا من حسام الدين تمرتاش، وأن البلاد ستئُول إليه بالقوَّة إن أصرَّ على الصدام، وأن عماد الدين زنكي لم يغدر في حلفه السابق مع حسام الدين تمرتاش، بل أعطاه عدَّة قلاع وحصون كهدايا وهبات، وأن الغدر أتى من حسام الدين تمرتاش في حقِّ عماد الدين زنكي، وقد يأتي منه مرَّةً أخرى في حقِّ داود نفسه. وهكذا اجتمعت العوامل في ذهن داود بن سقمان على الموافقة على فكِّ تحالفه مع حسام الدين تمرتاش، والتحالفِ مع عماد الدين زنكي [1] !
وهكذا ازدادت قوَّة عماد الدين زنكي بينما وجد حسام الدين تمرتاش نفسه وحيدًا في أرض الجزيرة!! ولم يكتفِ عماد الدين زنكي بذلك بل توسَّع جنوبًا وضمَّ مدينة الحَدِيثَة [2] ثم عانة [3] ، وبذلك صارت سيطرته على منطقة الجزيرة أقوى وأعظم [4] .
استغلَّ عماد الدين زنكي استقرار الأوضاع وقوَّة مركزه، فأسرع في سنة 537هـ\ 1142م بإنفاذ حملة واسعة تهدف إلى السيطرة على عدَّة حصون في أقاصي ديار بكر وفي أعالي الجزيرة، فسيطر على أماكنَ لم يَصِلْ إليها قبل ذلك أحدٌ من السلاجقة أو غيرهم، فضمَّ طَنْزَة وأسعرد وحِيزَان، وكذلك ضمَّ عدَّة حصون مثل: الدوق، ومطليس، وبانسبة (صورة 9) ، وذي القرنين، وترك في هذه المدن والحصون مَنْ يحفظها من رجاله [5] ، وبذلك وصل الاستقرار في منطقة الجزيرة إلى درجة لم يَصِلْ إليها قبل ذلك. ويمكن القول أن الطريق الآن أصبح مفتوحًا بشكل آمن إلى إمارة الرها، اللهم إلا من بلاد حسام الدين تمرتاش، الذي أدرك عماد الدين زنكي أنه ضعيف، وأن ضعفه هذا سيمنعه من اعتراض طريق عماد الدين زنكي إذا أراد غزو الرها.
ولم تكن هذه التحرُّكات الثابتة في أرض الجزيرة لتُلْهِيَ عماد الدين زنكي عن متابعة الأمن في إمارته الواسعة، فكان بالمرصاد لكل محاولة تهدف إلى إثارة الفتنة أو زعزعة الأمن؛ فمن ذلك صرامته في التعامل مع ثورة قامت عليه في مناطق الأكراد الهكارية شرق الموصل، وذلك حين مات زعيمهم أبو الهيجاء الهكاري الذي كان مواليًا لعماد الدين زنكي، فقام من بعده نائبه باو ألارجي،
(2) حديثة الفرات: تقع على جزيرة وسط الفرات وهي غير حديثة الموصل الواقعة على الضفة الشرقية لنهر دجلة بالقرب من مصب الزاب الأعلى. انظر ياقوت الحموي: معجم البلدان 2/ 230.
(3) عانة: بلد مشهور بين الرقة وهيت، يعد في أعمال الجزيرة. انظر ياقوت الحموي: معجم البلدان 4/ 72.
(4) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 330، والباهر ص64، وابن الجوزي: المنتظم 10/ 102.
(5) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 329.