الصفحة 372 من 390

وأحدث صراعًا في المنطقة يخرج به عن سيطرة عماد الدين زنكي، فعاد إليه عماد الدين زنكي مسرعًا، واصطدم معه، وانتصر عليه، وملك مركزهم الرئيسي، وهو قلعة آشب، وضمَّ إليها عدَّة قلاع أخرى في المنطقة [1] .

ومن مظاهر يقظته كذلك أنه تعرَّض لهجوم صليبي في بعض المناطق القريبة من حلب، فقامت الحامية الحلبية بالتصدِّي لهذا الهجوم، وقتلتْ من الصليبيين سبعمائة، وظفرت بالكثير من الغنائم [2] .

وعندما ظهرت بعض الاضطرابات في مناطق الأكراد المهرانية - وهم يقطنون في عدد من القلاع في المنطقة الجبلية المتاخمة لجزيرة ابن عمر، وأهمها قلعة كواشى - تصدَّى لهم عماد الدين زنكي، وأخضعهم بكل حسم، ومن ثَمَّ عاد الأمن والأمان لربوع دولته كلها [3] .

وهكذا في نهاية سنة 537هـ وبداية سنة 538هـ كانت أمور عماد الدين زنكي قد استقرَّت كثيرًا، وصار من الممكن له أن يقوم بخطوات عملية، وبخطَّة واضحة تهدف إلى غزو الإمارة العتيدة: الرها!

لقد مرَّت حتى الآن خمس سنوات - منذ سنة 533 وإلى سنة 538هـ - لم يحدث فيها صدام يُذكر مع الصليبيين، ولكنها لم تكن سنواتٍ خاملةً، بل كان فيها إعداد متَّصل، وتنظيم مستمرٌّ، وما غابت قضية جهاد الصليبيين عن ذهن عماد الدين زنكي أبدًا، بل لم تغبْ قضية إمارة الرها بالذات عن تفكير البطل الجليل عماد الدين زنكي، فكان الأمر كما ذكر ابن القلانسيّ رحمه الله في كتابه (ذيل تاريخ دمشق) :"فكان ذِكْر هذه المدينة جائلًا في خلده، وأمرها ماثلًا في خاطره وقلبه" [4] .

وبدأ عماد الدين زنكي يرتِّب أوراقه، ويُعِدُّ عُدَّته، ويرسم خطَّته؛ لينظِّم هجومًا شاملًا على إمارة الرها، وبينما هو في هذا الإعداد إذ بالأحداث تتكاثف في سنة 538هـ\ 1143م لتُمَهِّد الطريق لعماد الدين زنكي لينفِّذ خطَّته!

ولا يقولنَّ أحدٌ أن هذه مصادفة عجيبة! فإن الأمور تجري بالمقادير، ولقد رأى اللهُ - عز وجل - الإخلاصَ في قلب عماد الدين زنكي، والإتقان في عمله، فساعده في أحواله، ويسَّر له أموره، خاصَّةً وهو يكافِح من أجل قضية إسلامية، ومهمة شرعية، هي من أعظم المهامِّ مطلقًا، وهي مهمَّة تحرير بلاد المسلمين من الأعداء العاصبين.

وتعالَوْا نرصد بعض الحوادث التي تمَّت في سنة 538هـ وأوائل سنة 539هـ (1143 - 1144م) ، والتي فتحت طريق عماد الدين زنكي إلى الرها!

أولًا: تُوُفِّيَ في سنة 538هـ\ 1143م الإمبراطور البيزنطي يوحنا كومنين [5] ، وتولَّى من بعده ابنه مانويل كومنين. ولا شكَّ أن الأزمة التي حدثت بوفاة يوحنا كومنين - الذي حكم إمبراطوريته خمسة وعشرين عامًا كاملة - كانت أزمة كبيرة، واضطر مانويل أن يصرف كل جهوده لتنظيم الأمور الداخلية في الإمبراطورية؛ وهذا أخرج الإمبراطورية الكبيرة من معادلة الصراع، فلم يكن عندها الوقت أو القوَّة للتدخُّل لصالح إمارة الرها، وكانت هذه نقطة مهمَّة؛ لأننا رأينا قبل ذلك تحالفًا بيزنطيًّا صليبيًّا في سنة 532هـ، أي منذ ستِّ سنوات فقط، وكان جوسلين الثاني أمير الرها مشارِكًا في هذا التحالف، ولا شكَّ أن تحالفًا كهذا كان من الممكن أن يُعَطِّل خطط عماد الدين زنكي لغزو الرها، لكنَّ الله - عز وجل - سلَّم.

ثانيًا: نتيجة وفاة الإمبراطور يوحنا كومنين طمع ريموند بواتييه أمير أنطاكية في إقليم قليقية، والذي سيطرت عليه الإمبراطورية البيزنطية أثناء حملتها على المنطقة سنة 532هـ، وبالتالي تقدَّم ريموند بواتييه بقوَّاته واحتلَّ إقليم قليقية. وهذا - لا شكَّ - أغضب الإمبراطورية البيزنطية؛ لينشأ بينها وبين أمير أنطاكية صراع ونزاع حول هذا الإقليم، وهذا النزاع الخطير صرف ذهن ريموند بواتييه تمامًا عن إمارة الرها، وبالتالي فَقَدت إمارة الرها مناصرة أقرب الإمارات الصليبية إليها [6] .

ثالثًا: تُوُفِّيَ فجأةً الملك فولك الأنجوي ملك بيت المقدس على إثر جراحة أُصيب بها في رحلة صيد! وترك ولدين صغيرين هما: بلدوين الثالث وكان عمره ثلاثة عشر عامًا، وعموري أو إيموري وكان عمره سبع سنوات فقط. وهكذا وُضِع الطفل بلدوين الثالث على كرسيِّ المملكة، وتولَّت أمُّه ميلزاند بنت بلدوين الثاني - وهي الزوجة الخائنة التي تحدَّثنا عنها قبل ذلك - منصبَ الوصاية على الحكم [7] !

وبذلك صارت الأمور في يد هذه المرأة، وهي تحكم باسم الطفل بلدوين الثالث. ولا شكَّ أن هذا الاضطراب أضعف كثيرًا من هيبة مملكة بيت المقدس، وتفرَّق شمل الإمارات الصليبية؛ حيث كان من المعتاد أن يقوم ملك بيت المقدس بتجميع جهودهم، وفكِّ نزاعاتهم وحلِّها، أمَّا الآن فالزعماء العسكريُّون أمثال ريموند بواتييه وجوسلين الثاني لن يستمعوا لقول امرأة، ولا لحُكْم طفلٍ [8] !

(1) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 326، والباهر ص64.

(2) ابن العديم: زبدة حلب 2/ 278،277.

(3) ابن الأثير: الباهر ص64.

(4) ابن القلانسي: ذيل تاريخ دمشق ص282.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت