الصفحة 373 من 390

رابعًا: نشب صراع معلن بين الأمير جوسلين الثاني أمير الرها والأمير ريموند بواتييه أمير أنطاكية، واللذان كانا على درجة كبيرة من العداء والكراهية والغيرة، وكان التنافس بينهما شديدًا على أملاك المسلمين المتوسطة بينهما [1] ، وكان الذي يكتم هذا الصراع وينهيه وجود الملك فولك كسلطة أعلى لكلِّ الصليبيين في بلاد المسلمين، أمَّا عند وفاة الملك فولك فلم يعد هناك مَنْ يفكُّ اشتباك الأميرين، ومن ثَمَّ أصبح الاختلاف بينهما صريحًا معلنًا [2] .

خامسًا: تُوُفِّيَ فجأة أيضًا ركن الدولة داود بن سقمان، الزعيم الأرتقي الخطير، وهو وإن كان محالفًا لعماد الدين زنكي في أيامه الأخيرة إلاَّ أنه شخصيَّة غير مأمونة، وبالتالي فقد ينقلب على عماد الدين زنكي في أية لحظة، وقد يضرب عماد الدين زنكي في ظهره، ولم يكن يمانع في التحالف مع الصليبيين إذا لزم الأمر للدفاع عن أملاكه وحصونه. وقد تولَّى من بعده ابنه قرا أرسلان بن داود [3] ، وكان على خلافِ أبيه تمامًا، فكان مفتقرًا للحكمة السياسية، والقدرة القتالية التي كان يتمتع بها أبوه، بل إنه وفي أيام حكمه الأولى قرَّر التحالف مع جوسلين الثاني أمير الرها [4] ، وهذا وإن كان يبدو خطيرًا إلاَّ أنه كشف أوراقه مبكِّرًا، وأعطى عماد الدين زنكي المبرِّر الكافي لضربه، وللهجوم على بلاده، وكان هذا أمرًا سهلًا بالنسبة لعماد الدين زنكي؛ وذلك لقلَّة خبرة قرا أرسلان، وضعف تأثيره على جنوده.

وهكذا تضافرت هذه الأحداث مجتمعة على عزل إمارة الرها؛ حيث إنها فقدت العون من إمارة أنطاكية ومن مملكة بيت المقدس، كما فقدته من الإمبراطورية البيزنطية، وإضافةً إلى ذلك فقد فَقَدت أرض الجزيرة شخصيَّة عنيدة، هي شخصية ركن الدولة داود بن سقمان، وبذلك خارت قوَّتها أمام البطل عماد الدين زنكي!!

وها قد صار الطريق إلى الرها مفتوحًا!

نظر عماد الدين زنكي نظرة عسكرية إلى إمارة الرها فوجد أنها قد قُطِّعَت أوصالها من الأعوان نتيجة وفاة الإمبراطور يوحنا كومنين والملك فولك الأنجوي، ونتيجة صراعها مع إمارة أنطاكية، ولم يبقَ لها من اتِّصال إلاَّ مع الأراتقة في أرض الجزيرة عن طريق أميرهم الجديد قرا أرسلان ابن داود، فأراد عماد الدين زنكي أن يقطع هذا الاتصال ليعزل إمارة الرها نهائيًّا عن العالم المحيط؛ وبالتالي يسهل عليه ضربها بعد ذلك. ولهذا قام عماد الدين زنكي في نفس السنة في 538هـ\ 1143م بحملة عسكرية تهدف إلى إسقاط الحصون الصليبية الواقعة في إقليم شبختان - وهو من

(2) سعيد عاشور: الحركة الصليبية 1/ 479.

(3) ابن الأزرق الفارقي: تاريخ الأزرق الفارقي هامش على ذيل تاريخ دمشق ص267.

(4) النويري: نهاية الأرب 27/ 139، ورنسيمان: تاريخ الحروب الصليبية 2/ 379.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت