الصفحة 374 من 390

أقاليم الجزيرة، وهو الإقليم الفاصل بين حدود إمارة الرها وبين أملاك قرا أرسلان - وبذلك يعزل الحليفين عن بعضهما البعض. وبالفعل نجح عماد الدين زنكي في إسقاط عدَّة حصون صليبية في هذا الإقليم، منها: جملين، والموزر، وتل موزن [1] ، وغيرها؛ وبذلك حقَّق ما يريد، وصارت إمارة الرها معزولة عُزْلَة تامَّة، ولم يَعُدْ أمام عماد الدين زنكي إلاَّ أن يتوجَّه إليها بجيشه.

وبينما هو في هذا التوقيت يجهِّز نفسه للمهمَّة الكبرى إذ جاءته الأخبار بمفاجأة مفزعة كادت تغيِّر كل خططه، وتفسد عليه كل إعداده!

لقد جاءت الأخبار من بغداد أن السلطان مسعودًا السلجوقي يتجهَّز لغزو عماد الدين زنكي، وانتزاع الإمارة منه [2] !

في هذا التوقيت يُريد السلطان مسعود أن يقاتل عماد الدين زنكي!!

إنه - ولا شكَّ - مصابٌ بعدَّة أمراض نفسيَّة وأخلاقيَّة!

إنه مصاب بمرض الحَوَل السياسي؛ فلا يعرف إلى أين يجب أن يوجِّه حربه، وإلى أي طريقٍ ينبغي أن يسير بجيوشه!

وهو - في نفس الوقت - مصاب بضعف شديد في الدين، فلا يمانِع من أن يفكَّ وَحْدة المسلمين في هذا التوقيت العصيب، ولا يتردَّد في ارتكاب أمر يُشفِي غليل الصليبيين، ويُتعِس المسلمين!

وهو أيضًا مصاب بانهيار في الأخلاق؛ فيُقبِل على ضرب مجاهد في ظهره، ويُسرِع في نصب كمين لجيوش المؤمنين!

إنها كارثة بكلِّ المقاييس!

ماذا يفعل عماد الدين زنكي إزاء هذا الموقف الرهيب؟!

هل يتجاهل أمره ويتَّجه إلى الرها بعد أن أصبح مسرح العمليات جاهزًا، أم أن هذا سيجعل ظهره مكشوفًا للسلطان مسعود؛ فيهجم عليه ويضيع كل شيء؟

أم هل يقاتل السلطانَ مسعودًا، ويُضيِّع فرصة فتح الرها التي ظلَّ يُعِدُّ لها من أول أيام حكمه (أي منذ ثمانية عشر عامًا) ؟!

لقد وضعه السلطان مسعود في مأزق خطير!

ولماذا فعل ذلك السلطان مسعود؟!

(1) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 329.

(2) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 328.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت