فهرس الكتاب
لقد شعر السلطان مسعود أن الأرض تتناقص من حوله، وشعر أيضًا أن هيبته قد قلَّت، وصارت كلها لعماد الدين زنكي، وأحسَّ أن أمراء الأطراف الذين يتبعونه قد بدءوا يثورون عليه، ويخرجون عن طوعه، وتوقَّع أن خروجهم هذا بتحريض من عماد الدين زنكي ليُضعِف من قوَّة السلطان [1] .
وإزاء تمسُّك السلطان مسعود بحكمه وأملاكه وسلطته نسي قضية الصليبيين، وتجاهل هموم المسلمين، وسعى لأمرٍ لا يُسعِد أحدًا إلاَّ هو والصليبيين والشيطان! فكانت هذه الكارثة!
وفكَّر عماد الدين رحمه الله، وفكَّر ..
ثم وصل إلى ما ينبغي عمله في هذا الموقف!
إن الحلَّ الأمثل هو شراء رضا السلطان مسعود بأيِّ ثمن، ولو كان التواضع له، وإظهار الامتثال الكامل لسلطانه، مع أن الجميع يرى أن عماد الدين زنكي أقوى ألف مرَّة من السلطان مسعود، لكن عماد الدين زنكي ليس عنده وقت يضيِّعه في معاركَ جانبيةٍ، كما أنه لا يسعى للقبٍ أو تشريف، إنما يريد جهاد الصليبيين لله - عز وجل -، ولا يريد أن يشغله عن ذلك شاغل، أيًّا كان هذا الشاغل.
لقد جاءت الأخبار إلى عماد الدين زنكي بهذا الأمر، ثم ما لبث سيف الدين غازي بن عماد الدين زنكي أن جاء من بغداد هاربًا؛ ليبلغ أباه بالأخبار الجديدة، وكان عماد الدين زنكي قد ترك ولده الأكبر سيف الدين غازي في خدمة السلطان مسعود طيلة السنوات السابقة، وكان هذا أمرًا سياسيًّا حكيمًا منه؛ إذ به يتقرَّب إلى السلطان ليأمن شرَّه، وهو في نفس الوقت ينقل الأخبار إلى أبيه عماد الدين زنكي. فلمَّا عَلِمَ سيف الدين غازي بهذه التطورات هرب من السلطان، وأسرع إلى أبيه بالموصل ليحذِّره، ولكن عماد الدين زنكي فعل أمرًا عجيبًا! إذ رفض أن يقابل ابنه، وردَّه إلى السلطان، وأرسل معه رسولًا من قِبَلِه يقول للسلطان:"إن ولدي هرب خوفًا من السلطان، لمَّا رأى تغيُّره عليَّ، وقد أعدْتُه إلى الخدمة، ولم أجتمع به؛ فإنه مملوكك، والبلاد لك"!!
فكما يقول ابن الأثير:"فحلَّ ذلك من السلطان محلاًّ عظيمًا!" [2] .
لقد تأثَّر السلطان تأثُّرًا بالغًا بهذا الموقف، وسواء فَقِهَ الموقف على أنه رضوخ حقيقي للسلطان، أو فهمه على أنه خدعة سياسية، فإنه ما كان يستطيع إزاء هذا الموقف أن يستمرَّ في عزمه على القتال، خاصَّةً وهو يعلم قوَّة عماد الدين زنكي وسلطته، إضافةً إلى أن ردَّ فعل عموم المسلمين لن يرحم السلطان مسعودًا؛ لأنه فَقَدَ مُبَرِّر القتال بإظهار عماد الدين زنكي طاعته له!
(1) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 328.
(2) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 329،328.