فهرس الكتاب
وهكذا توقف السلطان مسعود عن مخطَّطه، ونجا عماد الدين زنكي من هذه الكارثة، ومن ثَمَّ يَمَّم وجهه شطر الرها!
كان عماد الدين زنكي واقعيًّا، ويعلم أن حصون الرها منيعة جدًّا، ويعلم أيضًا أن جوسلين الثاني وجيشه قادرون على صدِّ هجمته إن تحصنوا بهذه الحصون المحكمة، والتجارب السابقة للزعماء المسلمين على مدار الخمسين سنة السابقة تؤكِّد ذلك؛ وعليه فكانت خطة عماد الدين زنكي تهدف في الأساس إلى مباغتة الرها في الوقت الذي تخلو فيه المدينة من قائدها وجيشه. لكن هل ينتظر عماد الدين زنكي إلى أن تأتي مثل هذه الفرصة؟! إن هذا قد يتطلب وقتًا طويلًا، وهو لا يدري ماذا تحمل له الأيام القادمة! إن عليه أن يدفع جوسلين الثاني للخروج من حصونه، ولكن دون أن يستفزه؛ لأنه لا يميل للقتال أصلًا، بل يؤثر الرفاهية والأمان.
ماذا يفعل عماد الدين زنكي؟!
لقد قرر عماد الدين زنكي أن يتظاهر بأنه سيهاجم بعض حصون قرا أرسلان بن داود، الذي يحالف جوسلين الثاني في هذا الوقت، وسيتوجه بجيشه إلى هذه المنطقة القريبة من الرها، وسيشيع في الأجواء أن هناك فرقًا مساعدة له ستأتي من حلب؛ ليشجِّع جوسلين الثاني لأن يخرج من حصونه لقطع الطريق على المعونة الحلبية، فإذا خرج جوسلين الثاني من الرها، وابتعد عنها، غيَّر عماد الدين زنكي من وجهته، وترك مناطق الأراتقة واتجه مباشرة إلى الرها فضرب حولها الحصار، وعندها قد تكون هناك فرصة لإسقاط المدينة [1] !
كان هذا هو الجهد البشري الذي بذله عماد الدين زنكي، وكان من الممكن أن يوجد له ألف عائق يعوقه، ويمنعه من النجاح!! كان من الممكن أن يشك جوسلين الثاني في الأمر فلا يخرج، وكان من الممكن أن يتجاهل نصرة حليفه عمدًا، وكان من الممكن لقرا أرسلان أن يعطِّل سير عماد الدين زنكي فلا يصل إلى الرها في الوقت المناسب، وكان من الممكن أشياء أخرى كثيرة؛ لكنَّ الله - عز وجل - لم يُرِدْ لكل هذه العوائق أن تحدث، إنما أراد الله - عز وجل - للنصر أن ينزل على المؤمنين، فدبَّر المواقف التي تقود إليه، وأزال العوائق التي تمنع من الوصول إليه؛ لتسير الأمور كلها نحو وجهة يريدها، ونحو هدفٍ يرضى عنه.
إنه تدبيرُ ربِّ العالمين (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [2] .
وفي أواخر شهر ربيع الثاني من سنة (539هـ) نوفمبر 1144م، خرج عماد الدين زنكي بجيش كثيف من الموصل متوجِّهًا صوب الرها، وقد أمر جميع الأمراء والجنود ألا يتخلفوا عن هذه
(1) النويري: نهاية الأرب 27/ 143.
(2) (يس: 82) .