فهرس الكتاب
الموقعة المهمَّة، فخرجوا جميعًا. لقد خرج بالجيش الذي بذل عمره في إعداده، وتوجه بجيشه هذا إلى مدينة آمد التابعة للأراتقة؛ ليُوهِم جوسلين الثاني وعيونه أنه لا يريد الرها ولا يفكر فيها. وقد انطلت الخدعة على جوسلين الثاني، خاصةً أن عماد الدين زنكي كان مشغولًا طوال السنوات الست السابقة في معاركه في أرض الجزيرة مع الأراتقة، فلا جديد في الحدث. وكما رتَّب عماد الدين زنكي تمامًا خرج جوسلين الثاني في جيشه، واتجه جنوبًا ليقطع الإمدادات العسكرية الإسلامية القادمة من حلب، وبسرعة نقلت عيون عماد الدين زنكي الأخبار إلى عماد الدين زنكي، فغيَّر من اتجاهه في لحظات، واتجه إلى الرها من طريقٍ، وأرسل حاجبه صلاح الدين الياغيسياني من طريق آخر، وكان هذا الانفصال ليشتِّت عيون الصليبيين إذا رصدت التحركات. وكانت حركة الجيش في معظمها في الليل، وكانت الليلة التي اقتربوا فيها من الرها شديدة المطر، وبردها قارسًا، لكن ذلك لم يمنعهم من التقدم، إنما منع عيون الصليبيين من رصد الأمور. وانقشع الظلام، وظهر نور الصبح ليوم 28 من ربيع الثاني 539هـ\ 25 من نوفمبر 1144م، ومع نور الصبح اكتشف الصليبيون في داخل المدينة أن الجيوش الإسلامية تحيط بها من كل جانب [1] !
وصلت الأخبار المفزعة إلى جوسلين الثاني بعد فوات الأوان، فخشي أن يعود إلى الرها فيصطدم بالقوات الإسلامية الكثيفة، فقرر أن يذهب إلى مدينة تلِّ باشر التابعة له، والتي يفصلها عن مدينة الرها نهر الفرات؛ وذلك كي يكون قريبًا من الأحداث، ويدرك التطورات أولًا بأول، ولكنه في نفس الوقت محميٌّ بعائق مائي كبير هو نهر الفرات، يعطيه الوقت الكافي للهرب إن لزم الأمر [2] !
ثم إن جوسلين الثاني أرسل رسائل استغاثة عاجلة إلى أنطاكية على الرغم من الخلاف بينه وبين ريموند بواتييه، وكذلك إلى مملكة بيت المقدس إلى الملكة ميلزاند على الرغم من ضعفها، وبُعد المسافة بينهما [3] .
أما بالنسبة لريموند بواتييه فقد رفض أن يساعد جوسلين الثاني متعلِّلًا بانشغاله في حربه في إقليم قليقية ضد الدولة البيزنطية [4] ، وأما الملكة ميلزاند فقد أرسلت قوة عسكرية عاجلة على رأسها فيليب أمير نابلس، وأليناند بورس أمير الجليل، غير أن المسافة الطويلة جعلتهم يصلون بعد فوات الأوان [5] !
(1) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 331،
(2) وليم الصوري: تاريخ الحروب الصليبية 2/ 738،737.
(4) رنسيمان: تاريخ الحروب الصليبية 2/ 380.
(5) وليم الصوري: تاريخ الحروب الصليبية 2/ 739.