فهرس الكتاب
أما عماد الدين زنكي فقد حرَّكت هجمته الجهادية الروح في عموم المسلمين، فتقدَّم معه الآلاف من المتطوعة من شمال العراق، حتى صار عدد جيشه يخرج عن الإحصاء، وأغلق عماد الدين زنكي بإحكام كل الطرق المؤدية للرُّها؛ حتى يمنع أي فرصة إغاثة للمدينة، ونَصَب البطل المغوار آلات الحصار الضخمة حول الأسوار، ومنها عدَّة عشرات من المجانيق، وبدأ القصف الفوري للمدينة، ولم يتوقف هذا القصف لحظة واحدة طيلة أيام الحصار [1] .
وشعر الصليبيون داخل المدينة بالخطر الشديد؛ فجوسلين قد أخذ معه معظم القادة اللامعين، ولم يعد هناك من يمتلك المؤهلات العسكرية لهذه المهمَّة الشاقة. وإزاء هذا الموقف تقدم الأساقفة النصارى لقيادة المقاومة، وكان على رأسهم بالطبع الأسقف الكاثوليكي هيو الثاني، وكان معه الأسقف الأرمني يوحنا، والأسقف اليعقوبيُّ باسيل. ويبدو أن عماد الدين زنكي كانت له عيون في داخل المدينة، فوصلت إليه هذه الأخبار [2] ، فأراد أن يفرِّق هذه التجمعات النصرانية، فراسل أساقفة النصارى الشرقيين: اليعاقبة والأرمن، وعرض عليهما التسليم مقابل الأمان، وقد رفضا في البداية، ولكنهما مالا في النهاية إلى التسليم، إلا أن الأسقف الكاثوليكي هيو الثاني أصرَّ على المقاومة، وأجبرهما على إكمال المهمة العسكرية [3] .
وبدأت المدينة تدخل في مرحلة حرجة جدًّا حيث قلَّت المؤن والأغذية، ولم يكن هناك أي فرصة لوصول جوسلين الثاني، أو لاختراق الاستحكامات العسكرية الدقيقة التي نَصَبها عماد الدين زنكي في كل المحاور المؤدية للمدينة.
وكان مع عماد الدين زنكي فرقة متخصصة في هدم الأسوار اسمها فرقة النقَّابين، أي الذين يُنقِّبون الأسوار، فتقدمت هذه الفرقة، وبدأت تمارس عملها بنشاط، وهي تحت حماية القصف المستمر من المجانيق الإسلامية. ومع مرور الوقت بدأت تظهر تباشير النجاح، وبرغم المقاومة الشرسة إلا أن أحد أجزاء السور بدأت تتأثَّر، وضاعف المجاهدون من جهدهم، ولم يتوقف العمل لحظة، ولم يتوان أحد مطلقًا عن بذل كل الطاقة.
وفي يوم 26 من جمادى الآخرة 539هـ\ 23 من ديسمبر 1144م، وبعد ثمانية وعشرين يومًا كاملة من الحصار، أَذِن الله - عز وجل - لجزءٍ من السور أن ينهار [4] !
واشتعل الحماس في الجيش المسلم، وعلت صيحات التكبير من كل مكان، وانهمرت جموع المسلمين إلى الجزء المنهار من السور، وانحدروا كالسيل داخل المدينة الحصينة، وسرعان ما فُتحت
(1) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 332،331، وابن العديم: زبدة حلب 2/ 279.
(3) وليم الصوري: تاريخ الحروب الصليبية 2/ 739،738.
(4) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 332.