الصفحة 379 من 390

الأبواب من الداخل، ودخلت الجيوش الكثيفة يتقدمها البطل الفذُّ عماد الدين زنكي لترتطم الجيوش الإسلامية بالحامية الصليبية المرابضة داخل المدينة، وكان أول مَن حمل على الصليبيين هو عماد الدين زنكي نفسه [1] ! وسرعان ما احتدم الصراع في كل مكان، وعمَّت الفوضى أرجاء المدينة، وارتفعت سحب الغبار في كل مكان، وسالت الشوارع بالدماء، وتناثرت الأشلاء، وسيطر المسلمون في لحظات على الأبراج والأسوار والأبواب، وكذلك على كل المحاور في داخل المدينة، وسقط القتلى من الصليبيين بالآلاف، وألقى الله - عز وجل - الرعب في قلوبهم (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى [2] .

وسقط الأسقف هيو الثاني صريعًا تحت الأقدام، وبسقوطه انهارت معنويات الصليبيين تمامًا، فلاذوا بالفرار إلى القلعة الموجودة في داخل المدينة، وانطلق الجنود المسلمون في كل مكان يملئون أيديهم من الثروات الضخمة، والسبي الكثير، والغنائم التي لا تُحصى، وانطلقت فرقة إسلامية قوية لحصار القلعة، وما هو إلا يومان وسقطت القلعة، وقَتَل عماد الدين زنكي مَن كان فيها من الصليبيين، بينما أبقى على الأرمن واليعاقبة [3] .

لقد كان يومًا من أيام الله.

وكان يومًا من أيام الإسلام المشهودة!

وعندما ظهر تفوق المسلمين الواضح، واستتبت الأمور لعماد الدين زنكي أصدر أمره فورًا بوقف عمليات القتل، وتأمين الجميع إلا الصليبيين العسكريين، فإنهم كانوا يُقتلون، وأُخذت النساء والأطفال سبيًا.

أما الأرمن واليعاقبة فقد أصدر عماد الدين زنكي عفوًا عامًّا عنهم، مع أنهم كانوا يشتركون مع الصليبيين في الدفاع عن المدينة، إلا أنه قدَّر ظروفهم، وأدرك أنهم قُهِروا على ذلك، فسامحهم وعذرهم [4] !

ثم أعرب عماد الدين زنكي عن سياسته تجاه هذا البلد المهم بعد فتحه، فقال:"إن ذلك البلد لا يجوز في السياسة تخريب مثله" [5] ؛ فعماد الدين زنكي رأى أن الرها مدينة عظيمة لا ينبغي أن يدمِّرها ويتركها خاويةً على عروشها، ولكن عليه أن يحافظ عليها ويحميها. وفي سبيل ذلك قرر عماد

(1) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 331.

(2) (الأنفال: 17) .

(4) وليم الصوري: تاريخ الحروب الصليبية 2/ 739، وابن العبري: تاريخ الزمان ص157،156.

(5) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 332.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت