الصفحة 380 من 390

الدين زنكي عدة قرارات هي من أروع القرارات الإنسانية التي من الممكن أن يتخذها فاتحٌ أو منتصر!

أولًا: منع الاعتداءات على أملاك الأرمن واليعاقبة [1] .

ثانيًا: على كل الجنود المسلمين أن يُعيدوا إلى الأرمن واليعاقبة (وهم النصارى الشرقيون الذين يعيشون في البلد منذ عشرات السنين، أي سكان البلد الأصليين) كُلَّ ما أخذوه من أموال أو غنائم أو سبي أو غيره. فأعاد الجنود كل ما أخذوه، وعادت البلد إلى الحال التي كانت عليه قبل الفتح الإسلامي [2] !

ثالثًا: إطلاق الحرية الدينية لهم، وعدم المساس مطلقًا بكنائسهم [3] .

رابعًا: إعطاء الأرمن واليعاقبة صورة من الحكم الذاتي لتصريف أحوالهم داخل المدينة دون الرجوع للمسلمين، على أن تكون تبعيتهم للحكومة الإسلامية [4] .

خامسًا: تخصيص الأساقفة بالعطف والرعاية وإسداء الهدايا؛ فهؤلاء هم الذين يقودون شعوبهم.

سادسًا: دعوة الأرمن الذين هجروا البلد نتيجة اضطهاد الصليبيين إلى العودة مرة ثانية إلى الرها للعيش في أمانٍ في ظل الحكم الإسلامي [5] .

وهكذا بهذه السياسة الحكيمة، وبهذه الروح المتسامحة استقرت الأوضاع في مدينة الرها، وعادت إلى أيدي المسلمين بعد أكثر من خمسين سنة كاملة، وعادت بهيئتها التي كانت عليها قبل أن يمتلكها الصليبيون، وذلك كمدينة ذات طابع نصراني تحت حكم إسلامي.

لقد كان نصرًا خالدًا حقًّا تَوَّج الله - عز وجل - به جَهْد البطل القدير عماد الدين زنكي، ويكفي في وصف هذا النصر ما ذكره ابن الأثير في كتابه (الباهر) حين قال:"لم ينتفع المسلمون بمثله، وطار في الآفاق ذكرُه، وطاف بها نشره، وسارت به الرفاق، وامتلأ به المحافل في الآفاق، وكان هذا فتح الفتوح حقًّا، وأشبههم ببدر صدقًا ..." [6] .

ولم يكتف عماد الدين زنكي رحمه الله بإسقاط مدينة الرها، بل أسرع إلى كل الحصون المجاورة والتابعة لإمارة الرها فأسقطها في الحال، وكان أهمها حصن مدينة سروج الذي سقط في رجب 539هـ\ يناير 1145م، وبعد أقل من شهرٍ من سقوط الرها [7] . وبذلك لم يبق في إمارة الرها إلا بعض المدن الصغيرة غرب الفرات وأهمها تل باشر التي يتمركز فيها جوسلين الثاني، مما يعني تقريبًا انهيار الإمارة الصليبية التي كانت أول الإمارات الصليبية تأسيسًا، فأصبحت كذلك أولها سقوطًا!

ولا شك أن نصرًا مجيدًا كهذا كان له من الآثار ما لا يحصى، ونستطيع أن نرصد من هذه الآثار ما يلي:

أولًا: ارتفعت الروح المعنوية للمسلمين ارتفاعًا هائلًا، ليس في إمارة عماد الدين زنكي فقط، ولكن في كل ربوع الدنيا، وأقيمت الاحتفالات، ونُظِمت الأشعار، وشغلت هذه الانتصارات كل الخطباء؛ فهذه لم تكن آمالًا بالنصر، أو وعودًا بالنجاح، ولكنها كانت نتائجَ حقيقية، وآثارًا ملموسة.

ثانيًا: في المقابل حدثت صدمة نفسيَّة هائلة للصليبيين، فلم يكن جوسلين الثاني يتوقع أبدًا أن تسقط حصون الرها المنيعة، وكان يتخيل أنها حملة ككل الحملات التي حدثت على مدار السنوات السابقة، وهذا شلَّ حركته تمامًا، فما جَرُؤ على التقدُّم بجيشه للدفاع عن المدينة. ولا شك أن هذا ترك في نفسه وفي نفوس أصحابه وأمرائه، رواسبَ عميقة ستؤثِّر جدًّا على تصرفاتهم مستقبلًا. كما أننا لم نلاحظ أي جهود من الإمارات الصليبية الأخرى لاستعادة هذه الإمارة العتيدة، مما يؤكِّد على إحباطهم التام من إمكانية النصر.

ثالثًا: دخل المسلمون بعد هذا الفتح المبين مرحلة التوازن مع الصليبيين، ففي خلال السنوات الخمسين السابقة، كانت قوة الصليبيين دائمًا أعلى، وحتى عندما كان المسلمون يحقِّقون نصرًا، فإنهم كانوا يحققونه على بعض الجيوش والأفراد، ثم يعود كل فريق إلى مدنه وأملاكه دون أن يفقد منها شيئًا، وحتى عندما كان يحدث أن يحرِّر المسلمون حصنًا أو مدينة كان سرعان ما يسترده الصليبيون، أما الآن فقد توازنت القوى، وأصبح للمسلمين القدرة على الوقوف وجهًا لوجه مع الصليبيين، وتغيرت الإستراتيجية من مجرَّد الدفاع عند حدوث هجوم إلى استخدام مبدأ الهجوم خير وسيلة للدفاع.

رابعًا: أيقظت هذه الهزيمة المريعة للصليبيين أوربا الغربية، بعد أن كانوا قد اطمأنُّوا إلى أحوال الصليبيين في الشرق، وبدأت تظهر فيها دعوات لإنقاذ الصليبيين في الإمارات الصليبية، بل وأرسلت

(2) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 332، وابن العديم: زبدة حلب 2/ 279.

(6) ابن الأثير: الباهر ص69.

(7) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 332، والباهر ص70، وابن واصل: مفرج الكروب 1/ 94

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت