الملكة ميلزاند رسالة استغاثة إلى البابا في روما تستنهض فيه الهمَّة لجمع نجدة كبيرة للصليبيين. وهذه الحركة الأوربية ستكون نواة للحملة الصليبية الثانية بعد ذلك بسنوات قليلة [1] .
خامسًا: غيَّر هذا النصر من سياسة إمارة أنطاكية تجاه الإمبراطورية البيزنطية، فبعد أن تجرَّأ ريموند بواتييه واحتل إقليم قليقية، وَجَد نفسه الآن وحيدًا أمام القوة الإسلامية الجديدة؛ وهذا دفعه إلى بدء مباحثات مع الإمبراطور البيزنطي مانويل كومنين يعرض عليه التعاون ضد المسلمين، وهذا سيسحب الإمبراطورية البيزنطية مرة أخرى إلى حلبة الصراع بين المسلمين والنصارى [2] .
سادسًا: سكنت تمامًا بعد هذا النصر العظيم محاولات السلطان مسعود لإقصاء عماد الدين زنكي عن الحكم والإمارة، فقد أدرك حجمه بالقياس إلى حجم البطل الكبير، وعَلِم أن أي محاولة لإقصائه لن تقبل البتَّة من عموم المسلمين؛ ومن ثَمَّ فقد ظلت العلاقات طيبة إلى آخر عهد عماد الدين زنكي.
سابعًا: هزَّ هذا النصر الكبير مشاعر الخليفة العباسي المقتفي لأمر الله، وكان رجلًا تقيًّا حسن الخُلُق، فما تردد أن يُرسِل التشريفات الكثيرة لعماد الدين زنكي، بل وأنعم عليه بعددٍ من الألقاب لم يكن من المعتاد أن تُعطى للأمراء والقادة؛ مما أضفى على عماد الدين زنكي شكلًا جديدًا. وهذه الألقاب مثل الملك العادل، وركن الإسلام، والأمير المظفر، وعمدة السلاطين، وزعيم جيوش المسلمين، وملك الأمراء [3] ! وكانت هذه الألقاب كلها تُوحي بالاستقلالية والزعامة، وعدم التبعية لأحد، وكانت تضع فوق أكتاف عماد الدين زنكي مسئوليات كبيرة إلى جوار المسئوليات التي يحملها.
ثامنًا: كانت هذه الانتصارات، وهذه المواقف من السلطان مسعود والخليفة المقتفي إيذانًا بميلاد الدولة الزنكيَّة، التي يصبح فيها عماد الدين زنكي بمنزلة المؤسِّس الذي يتوارث أولاده من بعده الحكم في دولته، والتي تَدِين كثيرٌ من العائلات والقبائل لهم بالولاء، والذين تصبح لهم القيادة والريادة للعالم الإسلامي كله بعد ذلك، ولتتسلم بذلك الدولة الزنكية الرايةَ من الدولة السلجوقية، ويتحقق قول ربِّنا سبحانه وتعالى: (وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ) [4] .
تاسعًا: هدأت حركة الأراتقة تمامًا في أرض الجزيرة بعد هذا النصر، ولم نسمع أي اعتراض من قرا أرسلان بن داود، ولا من حسام الدين تمرتاش، مع أنهما لم يُعلِنا الانضمام تحت لواء عماد
(1) رنسيمان: تاريخ الحروب الصليبية 2/ 397.
(2) محمد سهيل طقوش: تاريخ الزنكيين في الموصل وبلاد الشام ص155.
(3) ابن القلانسي: ذيل تاريخ دمشق ص283.
(4) (آل عمران: 140) .