المبحث الثالث
الأحكام التبعية المترتبة على الإكراه
عرفنا أن الإكراه يؤثر في التصرفات الشرعية إما بالبطلان عند الجمهور او بتوقيف التصرف على الإجازة عند المالكية وزفر وإما بالفساد عند أبي حنيفة وصاحبيه.
لكن هناك بعض الأحكام التبعية لهذه التصرفات لحق المكره بعد زوال الإكراه وهي: حق الإجازة وحق الفسخ والإسترداد وحق إلزام الطرف الثاني بضمان العين إذا تلفت حقيقة أو حكمًا، وسوف نفرد لكل حق منها مطلبًا مستقلًا:
المطلب الأول: حق الإجازة
إذا زال الإكراه عن المكره فله الحق في إمضاء تصرفاته التي وقعت حال الإكراه، وله الحق بفسخ هذه التصرفات وإسترداد ملكه فإذا أمضى هذه التصرفات كان ذلك إجازة منه في إسقاط حقه في الفسخ.
والإجازة على نوعين:
إجازة قولية صريحة أو فعلية فالإجازة القولية الصريحة أن يقول المكره أجزت البيع أو الإجازة أو الهبة أو أن يقول: أعطيت إجازة به ونحو ذلك [1] 94).
أما الإجازة الفعلية: فهي القيام بأي فعل يدل دلالة ضمنية على إجازته لهذه التصرفات. فلو قبض المكره الثمن من المشتري بعد زوال الإكراه كان إجازة منه في إمضاء العقد، لأن القبض طائعًا دليل على الرضا الذي هو شرط صحة العقد [2] 95).بخلاف ما إذا قبض الثمن وسلم المبيع مكرهًا إنه لاينفذ البيع لعدم وجود الرضا. وعندئذٍ عليه أن يرد الثمن إن كان قائمًا في يده ويسترد المبيع، فلو تلف الثمن في يده فليس عليه ضمان. قال في الكفاية (وإن كان هالكًا لايأخذ منه شيئًا، لأن الثمن كان أمانة المكره لأنه اخذه بإذن المشتري والقبض متى كان بإذن المالك فإنما يجب الضمان إذا قبضه للتملك وهو لم يقبضه للتملك لأنه كان مكرهًا على قبضه فكان أمانة) [3] 96) أما المالكية فقالوا: إذا هلك الثمن فلا تفريط مع وجود بينة على ذلك، فليس عليه شيء [4] 97). فلو
(1) ينظر درر الحكام شرح مجلة الأحكام: 9/ 661.
(2) ينظر البحر الرائق: 8/ 71 ومجمع الأنهر: 2/ 431 وتكملة فتح القدير: 8/ 170.
(3) الكفاية: 8/ 171 وينظر البحر الرائق: 8/ 72 والدر المختار بشرح إبن عابدين: 6/ 131.
(4) ينظر الشرح الكبيرعلى الدسوقي: 3/ 6.