الصفحة 12 من 29

الربا فنهي الرسول عن بيعتين في بيعة واحدة إنما هو للربا. وليس للجهالة كما زعموا. بل ليس هناك جهالة قط لو خير البائع المشتري بين أن يأخذ نقدًا أو نسيئة. لأن الأمر محصور بين شيئين وكل منهما بالخيار: المشتري والبائع، ولذلك فليس هناك جهالة في مثل هذا البيع. فعلى القول بإباحة الزيادة للأجل لا يكون البيع باطلًا لو قال البائع للمشتري هذا الثوب بعشرة نقدًا وباثني عشر إلى أجل. وقال المشتري قبلت وتفرقا على ذلك. أين الجهالة هنا؟! الحق أنه لا جهالة لأن البائع قد خير المشتري ورضي بخياره، فالبيع صحيح ولا يوجد هنا جهالة قط. لأن الأمر محصور ومحدود. ولذلك فتفسير الحديث بأن الرسول إنما ينهي عن ذلك للجهالة تفسير بعيد جدًا. وتأويل لا شك في بطلانه. وإنما انصب نهي الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث على الزيادة الربوية التي يأخذها البائع في مقابل الأجل ولذلك قال: [فله أوكسهما] أي الأقل [أو الربا] وهو الزيادة التي يتقاضاها البائع في مقابل تأخير السداد.

ومنهم من رد هذا الحديث بعلل واهية منها أنه ليس نصًا في تحريم بيع الأجل مع الزيادة لأنه يحتمل معاني أخرى منها:

بيع العينة: لأن حقيقته أنه بيع شيء واحد مرتين؛ فالمشتري يقول للبائع أشتري منك هذه السيارة بألفين إلى سنة وأبيعك إياها بألف حالة (نقدا) . فيأخذ منه ألف نقدًا ويكون عليه ألفان إلى سنة.

والجواب: أن هذا بيع لا شك في تحريمه وقد جاء النص بذلك فقد نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن بيع العينة وهذا هو بيع العينة ولا شك أن هذا البيع ليس هو المقصود في هذا الحديث بدليل قوله صلى الله عليه وسلم [فله أوكسهما أو الربا] وهذا لا ينطبق على بيع العينة، حيث هو نوع آخر من أنواع البيوع الفاسدة.

ومنهم من فسر الحديث بأنه أن يقول البائع للمشتري أبيعك هذا البيت على أن تبيعني هذه السيارة فيكون هذا في مقابل تلك فهذا قد يدخل في عموم نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيعتين في بيعة ولكن لا يفسر [فله أوكسهما أو الربا] ولذلك قال الإمام الشوكاني: (وقد فسر ذلك الشافعي بتفسير آخر فقال: هو أن يقول بعتك ذا العبد بألف على أن تبيعني دارك بكذا: أي إذا وجب لك عندي وجب لي عندك وهذا يصلح تفسيرًا للرواية الأخرى من حديث أبي هريرة(نهى عن بيعتين في بيعة) لا الأولى فإن قوله [فله أوكسهما أو الربا] يدل على أنه باع الشيء الواحد بيعتين: بيعة بأقل، وبيعة بأكثر) أ. هـ (نيل الاوطار ص 172 ج 5) .

ومنهم من فسر الحديث بأن معناه أن يبيع البائع سلعة لأجل فإذا حل الأجل ولم يستطع المشتري الوفاء، قال له البائع أبيعك إياها مرة ثانية لأجل ثان بزيادة. فيكون قد باع الشيء الواحد مرتين وهذا تفسير بعيد كذلك لأن البيع الثاني لا يسمى بيعًا للسلعة وإنما هو بيع للدين بدين آخر وهذا قد جاء النهي عنه في أحاديث أخرى ولا يخفى تحريم ذلك فلم يبق بعد ذلك إلا التفسير الواضح للحديث وهو أن يقول البائع للمشتري أبيعك

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت