وهذا هو عين الربا المحرم. وإذن فالقياس العقلي الصحيح أن هذه الزيادة عن سعر الحال هي عين الزيادة التي يأخذها المرابي الذي يداين إلى أجل معلوم بزيادة عن رأس المال وإن كانت قد التبست بالبيع.
4 -القياس الشرعي:
وأما قولهم إن بيع الأجل مع الزيادة هو نفس بيع السلم لأنه عكسه، فالسلم تعجيل الثمن وتأخير السلعة، وبيع الأجل تعجيل السلعة وتأخير الثمن. فهو قول فاسد أيضًا وقياس باطل لأمور كثيرة منها:
أ: أن السلف أو السلم قد جاء النص الواضح بإباحته وهذا قد جاء النص الواضح بتحريمه، فكيف يكون ما حرمه الله مثل ما أباحه؟ وكيف يقاس المشروع بالنص على المحرم بالنص؟ فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا] (رواه أبو داود والحاكم) . وقد فسر هذا الحديث عامة العلماء بأنه قول البائع أبيعك هذه السلعة بكذا نقدًا وبكذا إلى أجل أي بثمن أكبر إلى أجل. وأما في بيع السلم فقد جاء الحديث بالإباحة. عن ابن عباس رضي الله عنه قال: قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين فقال صلى الله عليه وسلم: [من أسلف فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم إلى أجل معلوم] (رواه الجماعة) فلا يجوز قياس المحرم بالنص على المباح بالنص لأنه لا قياس مع النص.
ب: ولا شك أيضًا أن السلم مستثنى من القاعدة العامة والمستثنى لا يجوز القياس عليه.
ج: السلم ليس فيه زيادة مال لأجل المدة والأجل، وأما في بيع الأجل مع زيادة فإنه لا يزاد فيه إلا لأجل الزمن. وهذا عين الربا. وأما المسلف فقد يكون مقصده ضمان الحصول على السلعة فقط في وقت حصادها فهو من باب المسارعة إلى الشراء. ثم فيه منعة أكيدة لكل من المزارع والمشتري فالزارع يستفيد بتعجيل الثمن من أجل الإنفاق على زرعه، والمشتري يضمن حصول السلعة في الموسم. وهذه منافع متبادلة وليس فيها زيادة من أجل الأجل كما هو في بيع الأجل مع الزيادة.
5 -آية الدين:
وأما استدلالهم بجواز بيع الأجل مع زيادة عن ثمن النقد يقول تعالى {يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه .. } الآية
فهو من أعجب استدلالاتهم، لأن الآية لم تتعرض من قريب أو بعيد إلى بيع الأجل مع زيادة وإنما هي آمرة بوجوب كتابة الدين والإشهاد عليه ولم تبين الآية هل هذا الدين دين تجارة وبيع، أو دين سلفة وقرض، أو غير ذلك، فهذا مسكوت عليه تمامًا. وإنما أمرت فقط بكتابة كل دين سواء كان دين تجارة أو دين سلف ولا