وفي رواية: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لابن صائد: {قَالَ: أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ قَالَ الْغُلَامُ: أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ هَذَا مَرَّتَيْنِ.} [1]
-- ... عَنْ أَبِي سَعِيدٍ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لِابْنِ صَائِدٍ: {مَا تُرْبَةُ الْجَنَّةِ قَالَ: دَرْمَكَةٌ بَيْضَاءُ مِسْكٌ يَا أَبَا الْقَاسِمِ قَالَ: صَدَقْتَ.} [2]
-- ... عَنْ أَبِي سَعِيدٍ - رضي الله عنه - قَالَ: ذُكِرَ ابْنُ صَيَّادٍ عِنْدَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ عُمَرُ - رضي الله عنه: {إِنَّهُ يَزْعُمُ أَنَّهُ لَا يَمُرُّ بِشَيْءٍ إِلَّا كَلَّمَهُ} [3]
شرح:
هذه الأحاديث برواياتها المتعددة والحديث الذي سبقه يتطلب منا بعض الوقفات المعينة على فهم ظاهرة ابن صياد وعلاقتها بالدجال الأكبر.
الوقفة الأولى: ظاهرة ابن صياد وعلاقتها بالدجال الأكبر.
لكي تتضح لنا حقيقة ظاهرة ابن صياد، ولكي لا تختلط علينا الأوراق في فهم علاقتها بظاهرة الدجال الأكبر أرى أن أرتب فهمي لمدلولات سياق روايات هذه الأحاديث والحديث الذي يسبقه على النحو التالي:
-يتضح من سياق هذه الحديث والتي سبقتها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أُخبر عن طريق الوحي بأن هنالك فتنة عظيمة تكون على يد الدجال هي أعظم فتنة على وجه الأرض، لكن كان الوحي مجملًا في بيان حقيقة الدجال و اقتصرت على بيان صفاته؛ أي لم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - يعلمه على وجه الخصوص، أو يعلم وقت خروجه، فأخبر صحابته الكرام عنها بصيغة مجملة، وكان من سياق بعض الأحاديث الواردة عن الدجال ما يشير إلى قرب خروجه، منها ما ورد عَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ - رضي الله عنه - قَالَ: {ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - الدَّجَّالَ ذَاتَ غَدَاةٍ فَخَفَّضَ فِيهِ وَرَفَّعَ حَتَّى ظَنَنَّاهُ فِي طَائِفَةِ النَّخْلِ، فَلَمَّا رُحْنَا إِلَيْهِ عَرَفَ ذَلِكَ فِينَا فَقَالَ: مَا شَانُكُمْ؟ قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ ذَكَرْتَ الدَّجَّالَ غَدَاةً فَخَفَّضْتَ فِيهِ وَرَفَّعْتَ حَتَّى ظَنَنَّاهُ فِي طَائِفَةِ النَّخْلِ فَقَالَ: غَيْرُ الدَّجَّالِ أَخْوَفُنِي عَلَيْكُمْ، إِنْ يَخْرُجْ وَأَنَا فِيكُمْ فَأَنَا حَجِيجُهُ دُونَكُمْ، وَإِنْ يَخْرُجْ وَلَسْتُ فِيكُمْ فَامْرُؤٌ حَجِيجُ نَفْسِهِ، وَاللَّهُ خَلِيفَتِي عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ.} [4]
فهذا الحديث يشير إلى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يعلم عند ذكر هذا الحديث وقت خروجه، وسياقه يشير إلى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يرى قرب خروجه حتى قال بعض الصحابة» حتى ظنناه في طائفة النخل «، وبالتالي كان عدد من الصحابة يرون أن خروجه قريب جدًا.
-يضاف إلى ذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أُخبر عن طريق الوحي عن أوصاف أحد الدجالين وطبيعة ميلاده وأبويه كما يتضح من الحديث الأول، فأخبر صحابته بذلك، فعندما رأوا هذه الأوصاف تنطبق على ابن صياد جاءوا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وأخبروه به، وأخبروه ببعض أعاجيبه؛ فأراد النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يعلم خبره، ودلالة الحديث تشير إلى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان متوقفًا في الحكم عليه؛ أي لم يكن عند النبي - صلى الله عليه وسلم - بيان من الوحي أن ابن صياد هو الدجال الأكبر بعينه أم هو دجال من الدجالين، ودلالة الحديث على ذلك واضحة عندما طلب عمر - رضي الله عنه - من النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يقتل ابن صياد فقال له الرسول - صلى الله عليه وسلم: إن يكنه فلن تسلط عليه، وإن لم يكنه فلا خير لك في قتله، والدلالة واضحة بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقطع بأنه الدجال أو غيره، وسنلحظ أن توقف النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الجزم بحقيقة ابن صياد سيكون له أثره على عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -؛ وعلى رأيه في شأن ابن صياد.
-يتلخص مما سبق تصور طبيعة الحديث النبوي عن الدجال مقارنة مع تطور مجريات الأحداث، ففي بداية العهد المدني كان الكلام عن الدجال عاما مجملًا مع تصور قرب خروجه - وافق الكلام عن الدجال الحديث عن ميلاد دجال لأبوين لهما أوصاف محددة - مطابقة الأوصاف التي ذكرها النبي على ابن صياد - تَعَرُّف بعض
(1) أخرجه أحمد 23796؛ وضعف محققه إسناده [المسند بتحقيق الأرناؤط (39/ 214) ] والحديث له أصل في البخاري ومسلم
(2) أخرجه مسلم برقم 2928[انظر مسلم بشرح النووي (9/ 244)
(3) أخرجه أحمد برقم 11753 قال محققه: إسناده ضعيف [المسند بتحقيق الأرناؤط (18/ 277) ] ؛ قال الهيثمي: رواه أحمد وفيه مجالد بن سعيد وهو ضعيف وقد وثق وبقية رجاله ثقات [مجمع الزوائد (8/ 11) ]
(4) أخرجه مسلم برقم 2937 [مسلم بشرح النووي (9/ 255) ]