هذا الرجل هو أعظم الناس شهادة عند الله سبحانه وتعالى، ووجه عظمة شهادته في أنه واجه بكلمة الحق أشد السلاطين جورًا على وجه البسيطة، وهو الدجال لعنه الله سبحانه وتعالى، وثباته على الحق وتبصره به مع توفر دواعي الشبهة القوية، و استمراره على دعوة الحق حتى بعد تعذيب الدجال له، والأجر على قدر المشقة.
-هذه الأحاديث تبين بعض المراد من قول النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الدجال هو أهون على الله من ذلك. فالدجال مع توفر كل فتن الشهوات والشبهات لديه، ومع ما آوتي من قدرات؛ إلا أنه مع كل ذلك لا يملك تغيير القلوب الممتلئة إيمانًا أو يؤثر فيها، وغاية تأثيره على ضعاف الإيمان، وأهل الوقوع في الشهوات والشبهات قبل حصول فتنته، أما أهل الإيمان فيزدادوا إيمانًا، وهذا يعزز القول بأن فتنة الدجال هي فتنة حصاد لا فتنة زرع، بمعنى أن الفتن التي قبله تزرع، وفتنة الدجال تحصد، ومن كان من أهل الإيمان الحق قبل الدجال، كان أيضًا من أهله بعد فتنة الدجال، ومن كان من أهل الريبة، أو ممن يعبدون الله على حرف، فهؤلاء هم مطمع الدجال، ومدار فتنته.
-الحديث الأول يشير إلى أن الدجال لا يملك الإحياء والإماتة بعد هذا الرجل قطعًا، ورواية أبي أمامة الباهلي التي سأذكرها في المطولات تدل على أنه لا يسلط إلا على هذا الرجل.
أما بعض الروايات الأخرى التي تشير إلى قدرة الدجال على الإحياء، فذلك
يكون على وجه التخييل لا الحقيقة كما سيأتي بيانه.
-قد يسأل سائل: كيف يجوز أن يجري الله الخوارق التي هي بمثابة الآيات على يد كافر، كإحياء الموتى مثلًا التي تعتبر آية عظيمة لم يؤيد بمثلها إلا الأنبياء؟
ويجاب على ذلك بأنه يجريه على سبيل الفتنة والاستدراج، والفرق بينه وبين ما يؤيد به الأنبياء واضح؛ لأن الأنبياء أُيدوا بالآيات ودلالات حالهم تشهد أيضًا بصدق دعواهم النبوة، أما الدجال فأيد بالخوارق ودلالة حاله تشهد بأنه كاذب في دعواه الربوبية لظهور الآفة في عينه والكفر المكتوب بينهما يضاف إلى ذلك وضوح النقص في ملامحه.