وتقديم الحديث عن التكوين الفقهي للداعية على التكوين الدعوي هو الأقرب إلى المنطق السليم، والمناسب للواقع المشاهد، وإن كان التكوين الدعوي من الأهمية بمكان؛ إذ إن الداعية دائما ما يسأل من جماهير المسلمين عما أهمهم من أمر دينهم ودنياهم، فالداعية أو الخطيب أو الإمام هو ملجأ عموم الناس في المسائل الفقهية وأمور الدين، وربما أمور الدنيا في بعض الأحيان.
والداعية أمام هذه الأسئلة ليس أمامه إلا ثلاثة خيارات:
الأول: أن يصمت أو يعتذر عن الإجابة لعدم علمه، وهذا يفقد الناس الثقة فيه، ويعدمه التأثير فيهم، لكنه الصواب بين يدي الله حتى لا يفتي بغير علم.
الثاني: أن يفتي بغير علم حتى لا يفقد ثقة الناس، فلا يكاد يسأل سؤالا ويقول لا أعلم، أو الله أعلم، بل يجيب عن كل ما سئل، ويتحدث بكل ما علم، وهذه هي الطامة الكبرى، وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من هذا المسلك حين روى البخاري في صحيحه بسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبق عالما، اتخذ الناس رؤوسا جهالا، فسُئلوا، فأفتَوْا بغير علم، فضلوا وأضلوا) [1] .
وقال ابن عطاء الله في حكمه المعروفة:"من رأيته مجيبًا عن كل ما سُئل، ومعبرًا عن كل ما شَهِد، وذاكرًا كل ما علم ـ فاستدل بذلك على وجود جهله".
(1) صحيح البخاري: كتاب العلم. باب: كيف يقبض العلم.