أما المحور الثاني في التكوين الدعوي للداعية فهو ما أسميناه"فقه الدعوة"، والفقه هنا ـ الذي يعني الفهم لغة ـ يجمع بين أمرين:
الأول: العلم بماهية الدعوة إلى الله تعالى، وبموضوعها، وبطرق كسب ذلك العلم، والثاني: العلم بقواعد وأحكام تنزيل ذلك على واقع الناس في كل تفاصيله وحاجاته.
فنحن هنا، إذن، في حاجة إلى أمرين عظيمين: العلم بحقيقة الدعوة، والعلم بطريقة تنزيل تلك الحقيقة لتصبح واقعا معيشا ومهيمنا على الحياة ومنظما لها وصانعا لمضامينها.
وإذا كان الإلمام بتاريخ الأنبياء والرسل، وتاريخ الدعوات من بعدهم هو الإحاطة النظرية والعلمية بالدعوة إلى الله، فإن المقصود بفقه الدعوة أن يتعمق الداعية في أحداث التاريخ، ويتأمل تاريخ الدعوات، ليستخلص منه العبر البليغة والدروس النافعة التي تساعده في فهم الواقع، ويجد فيها تعزية وأسوة وسلوى، ويتلمس فيها الضياء الذي ينير له الطريق.
ومَثَلُ علم الدعوة وعلم فقه الدعوة كمثل التاريخ وفقه التاريخ وفلسفته، فإذا كان علم التاريخ يهتم بالأحداث وتصحيحها وتوثيقها، فإن فلسفة التاريخ وفقه التاريخ يتجاوز ذلك إلى تفسير الأحداث والتماس العبرة النافعة والدروس المستفادة التي يعبر بها الدعاة والعلماء من القديم إلى الحديث إلى الواقع إلى استشراف المستقبل، فكذلك علم فقه الدعوة يتجاوز الدعوة كتاريخ وعلم إلى كيفية الدعوة إلى الله تعالى بمراعاة الزمان والبيئات، واعتبارالأعراف واختلاف الناس بما لا يتعارض مع محكمات الشرع، وبهذا تكون الدعوة على بصيرة كما قرر القرآن الكريم:"قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني". سورة يوسف: 108.
ومن خلال التأمل في تاريخ الدعوات سواء دعوات الأنبياء قبل دعوة الإسلام أو الفترة المكية والمدنية أو دعوات الإصلاح الحديث يستطيع الداعية أن يقف على أسباب