إن التوبة لا يستغني عنها أحد من الثقلين، والإنسان محتاج إليها احتياج الحي إلى الحياة، فلا حياة إلا بها، ولا خير إلا من طريقها، ولا فلاح إلا بتحصيلها، وذلك أن التوبة هي الرجوع إلى الله بالتزام فعل ما يحب، وترك ما يكره، فهي رجوعٌ من مكروه إلى محبوب، فالرجوع إلى المحبوب جزء مسماها، والرجوع عن المكروه الجزء الآخر، ولهذا علّق سبحانه الفلاح المطلق على فعل المأمور وترك المحظور بها فقال: ? ? ? ? ? ? ? ? [1] .
فكل تائب مفلحٌ، ولا يكون مفلحًا إلا من فعل ما أمر به وترك ما نهي عنه. وقال تعالى: ? ? ? ? [2] وتارك المأمور به ظالمٌ، كما أن فاعل المحظور ظالمٌ، وزوال اسم (الظلم) عنه إنما يكون بالتوبة الجامعة للأمرين.
وبناء على ما تقدم فإن ابن قيم الجوزية - رحمه الله - يرى أن الناس قسمان: تائبٌ، وظالمٌ ليس إلا، فالتائبون هم العابدون الحامدون السائحون الراكعون، الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله، فحفظ حدود الله: جزء التوبة، والتوبة هي مجموع هذه الأمور [3] .
وكثير من الناس يرى أن التوبة تكون من الذنوب خاصةً، وهذا فهمٌ سطحي لمعنى التوبة، وقصرٌ لها على أضيق أبوابها، فالتوبة معنى واسعٌ شامل، يتصل بحركة المسلم في حياته كلها، فهي حقيقة دين الإسلام، والدين كله داخلٌ في مسمى (التوبة) ؛ وبهذا استحق التائب أن يكون حبيب الله، فإن الله يحب التوابين، ويحب المتطهرين، وإنما يحب الله مَنْ فعل ما أمر به، وترك ما نهي عنه، ويدخل في مسماها: الإسلام، والإيمان، والإحسان، وتتناول جميع المقامات ولهذا كانت غاية كل مؤمن، وبداية الأمر وخاتمته، وهي الغاية التي وجد لأجلها الخلق والأمر، والتوحيد جزءٌ منها، بل هو جزؤها الأعظم الذي
(1) سورة النور، الآية (31) .
(2) سورة الحجرات، الآية (11) .
(3) انظر: مدارج السالكين: (1/ 540 - 541) .