لَعَمْرُكَ مَا حُبِّي مُعَاذَةَ بِالَّذِي يُغَيِّرُهُ الوَاشِي وَلَا قِدَمُ العَهْدِ
وَلَا سُوءُ مَا جَاءَتْ بِهِ إِذْ أَزَالَهَا غُوَاةُ الرِّجَالِ إِذْ يُنَاجُونَهَا بَعْدِي [1] .
كما لا يغيب عنّا قَولُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - المَشهور: (رِفقًا بالقَوارير) [2] ، فهذه الكلمة النبويّة ذهبت مثلًا .. إنّها جملة نبويّة جامعة .. تكاد تكون معجزة البلاغة، وتاج البيان .. تترقرق في جنباتها شفافيّة الأخلاق الإسلاميّة، وسموّ الأدب النفسِيّ، الذي يشرق به الهدي النبويّ ـ على صاحبه أفضل الصلاة وأزكى التحيّة ـ على كلّ جنبات الحياة، فيحيلها جنانًا فيحاء، ورياضًا غنّاء، وسحائب معطاء .. فالرفق روح الأخلاق الإسلاميّة وسداها، ولُحمتها وجناها .. والتعبير بالقوارير ينمّ عن منتهى الذوق واللطف، والإغراء بالتكريم والإحسان، والرحمة والعطف .. فالقوارير رقيقة شفّافة، صافية حسّاسة، صُلبةٌ ضعيفة، وفوقَ ذلك هي جميلة أخّاذة .. وكلّ ذلك توحي به كلمة واحدة .. ومن ثمّ فقد حقّ لي أن أسمّي هذا العمل بهذا التعبير النبويّ الجميل: (رِفقًا بالقَوارير) .
(1) ـ رواه الإمام أحمد في المسند برقم /6592/.
(2) ـ رواه البخاريّ في كتاب الأدب باب ما يجوز من الشعر والرجز والحداء وما يكره منه، برقم /5683/ ومسلم في كتاب الفضائل باب رحمة النبيّ للنساء وأمر السواق مطاياهنّ بالرفق بهنّ برقم /4288/، وهذا لفظ مسلم عَنْ أَنَسٍ - رضي الله عنه - أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - أَتَى عَلَى أَزْوَاجِهِ وَسَوَّاقٌ يَسُوقُ بِهِنَّ يُقَالُ لَهُ: أَنْجَشَةُ فَقَالَ: (وَيْحَكَ يَا أَنْجَشَةُ رُوَيْدًا سَوْقَكَ بِالقَوَارِيرِ) قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: تَكَلَّمَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بِكَلِمَةٍ لَوْ تَكَلَّمَ بِهَا بَعْضُكُمْ لَعِبْتُمُوهَا عَلَيْهِ، قال العلماء: سمّى النساء قوارير لضعف عزائمهنّ، وشبّههنّ بقارورة الزجاج لضعفها وإسراع الانكسار إليها، ومقصود الحديث الرفق في السير، لأنّ الإبل إذا سمعت الحداء أسرعت في المشي واستلذّته فأزعجت الراكب وأتعبته، فنهاه عن ذلك، لأنّ النساء يضعفن عن شدّة الحركة، ويخاف ضررهنّ وسقوطهنّ"كما في الديباج على صحيح مسلم 5/ 324/."