الصفحة 107 من 173

وأعذُلُ فيها النفسَ إذ حِيل دونها وتأبَى إليها النفسَ إلاّ تطلّعا

/ ومَرِضتُّ مرّة بعد أن اشتدّ عليّ بلاء الهجر وطال، وقدّمت لها الاعتذار بعد الاعتذار، دون جدوى تجبر الخاطر، وتقيل العثار .. فكتبت لها أبياتًا من الشعر، بلغت منها لأوّل مرّة مبلغ العذر:

أنا ما قَتلتُ وما جَرحتُ وما جَنيت ..

ولا سَفَكتُ دمًا حَرامًا أو هَتكت ..

ولم أكُن"كَديك الجنِّ"آثامًا أتَيت [1] .

(1) ـ ديك الجنِّ شاعر عبّاسيّ مشهور (161 ـ 235 هـ) ، واسمه أبو محمّد عبد السلام بن رغْبَان بن عبد السلام، وقد تسمّى عدد من الناس قديمًا وحديثًا بديك الجنّ، وتمثّلوا موقفه، وكان من خبره في كتب الأدب أنّه كان يهوى غلامًا له وجارية، فاتهمها به بوشاية، وقتلهما وأحرقهما، ثم بلغه الخبر على حقيقته وصحته، وتبين له أمرهما، وأنه ظلمهما، واستيقنه فندم، ومكث شهرًا لا يستفيق من البكاء، ولا يطعم من الطعام إلا ما يقيم رمقه، وقال فيهما الأشعار الكثيرة، ومنها في الجارية:

يا طلعةً طلع الحِمام عليها ... وجنَى لها ثمرَ الردى بيديها

روّيتُ من دمها الثرى ولطالما ... روّى الهوى شفتيّ من شفتيها

قد بات سيفي في مجال وشاحها ... ومدامعي تجري على خديها

فوحق نعليها وما وطئ الحصى ... شيءٌ أعزّ عليّ من نعليها

ما كان قتليها لأنّي لم ... أكن ... أبكي إذا سقط الذباب عليها

لكن ضننت على العيون بحسنها ... وأنفت من نظر الحسود إليها

ومن شعره في الغلام:

أشفقت أن يرد الزمان بغدره ... أو أبتلي بعد الوصال بهجره

قمر إذا استخرجته من دجنه ... لبليتي ورفعته من خدره

فقتلته وبه علي كرامة ... ملء الحشا وله الفؤاد بأسره

عهدي به ميتًا كأحسن نائم ... والحزن يسفح دمعتي في نحره

لو كان يدري الميت ماذا بعده ... بالحي كان له بكى في قبره

غصص تكاد تغيظ منها نفسه ... ويكاد يخرج قلبه من صدره

وهذه الأبيات تروى لغير ديك الجنّ. أخبرني بها محمد بن زكريا الصحّاف قال: حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال: حدثني محمد بن منصور قال: كان من غطفان رجلٌ يقال له السليك بن مجمع، وكان من الفرسان، وكان مطلوبًا في سائر القبائل بدماء قومٍ قتلهم، وكان يهوى ابنة عم له، وكان خطبها مدةً فمنعها أبوها، ثم زوجه إياها خوفًا منه، فدخل بها في دار أبيها ثم نقلها بعد أسبوع إلى عشيرته، فلقيه من بني فزارة ثلاثون فارسًا كلهم يطلبه بذحلٍ، (الذحل: الثأر) فحلقوا عليه، وقاتلهم وقتل منهم عددًا، وأثخن بالجراح آخرين، وأثخن هو حتى أيقن بالموت. فعاد إليها فقال: ما أسمح بك نفسًا لهؤلاء، وإني أحب أن أقدمك قبلي. قالت: افعل، ولو لم تفعله أنت لفعلته أنا بعدك. فضربها بسيفه حتى قتلها، وأنشأ يقول تلك الأبيات.

وذكر الأبيات المنسوبة إلى ديك الجنّ، ثم نزل إليها فتمرغ في دمها وتخضب به، ثم تقدم فقاتل حتى قتل. وبلغ قومه خبره، فحملوه وابنة عمه فدفنوهما. قال: وحفظت فزارة عنه هذه الأبيات فنقلوها. قال: وبلغني أن قومه أدركوه وبه رمق، فسمعوه يردد هذه الأبيات، فنقلوها وحفظوها عنه، وبقي عندهم يومًا ثم مات. انظر الوافي بالوفيات 6/ 156/ والأغاني 14/ 55، 58/وسير أعلام النبلاء، والأعلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت