ذلك كلّه .. وأصبحت لأوّلِ مرّة إذا ذكرت زوجتي الفقيدة أمامي كأنّ أمرًا عاديًّا يذكر لي، فلا أزيد على الترحّم عليها .. لقد رحلت من حاضري، ولكنّها لم ترحل من قلبي، فهي فيه مقيمة، وذكرى حميمة ..
ورأى ذلك والداي فسرّا سرورًا عظيمًا .. وأنا متأكّد لو أنّ الشيخ طلب منهم مئات الألوف من الذهب والفضّة لأعطوه ذلك فرحين مغتبطين .. ولكنّه لم يطلب منهم أبيض ولا أحمر [1] ، كان يعرف عظمة العمل لله، وابتغاء مثوبته ورضوانه ..
وبدأ الشيخُ معي مرحلةً أخرى .. إنّه يريدُ أن يعودَ بي إلى الحياة الطبيعيّة، وأصبحتُ أشعرُ بانجذاب رُوحيّ إليه، لم أشعره قبل ذلك تجاه أحد، حتّى والديّ .. وأصبحَت مُنيتي أن ألبّيَ رغباتِ الشيخ معروف مهما كانت شَاقّة على نفسي .. وذُقتُ لذّةَ العبادةِ بصُحبة الشيخ، فكنتُ أصلّي وأحبُّ أن أطيلَ صَلاتي، وأدعُو وأطيلُ دعائي .. وكانَت أيّامي عنده بحقّ أسعدَ أيّام حياتي وأمتعها بلا استثناء .. تعلّمتُ منه فيها الكثير من العلم والأدب .. وقدّم لي من خبرته بالحياة ما لا يقدّر بأطنان الذهب ..
وكانَت حياةُ الشيخ مَعروف الخاصّة نموذجًا رائعًا من حياة السلف الصالح، قوامُها البساطةُ، والبعدُ عن التكلّف، لا يبالي فيها بشيء من المظاهر، ولا يهتمّ بها، لأنّ ما يشغله من الجوهرِ والحقائق قد أخذ عليه اهتمامه ووقته .. وكانَ عفيفَ النفس عِفّةً عجيبة، إذ كانَ لا يقبلُ مِن أحد عطيّة، ولو باسم هديّة.! ويقول: أخشى أن يُظَنّ بي الحاجة .. وايم الله! إنّ به لحاجة، ولكنّه يترفّع عليها، أن تملكه أو تستذلّه .. وكانت البركة تحفّ
(1) ـ كناية عن الفضّة والذهب.