حياته كلّها، فكأنّه واسع الرزق، لا يعرف الضيق .. وكان يحتفي بزائريه بأطيب الطعام، ويكرمهم غاية الإكرام ..
وكانَ الشيخُ يسكُنُ في حيّ شعبيّ قديم، وفي مسكن على غاية من التواضع، وهو سعيد بسكناه كلّ السعادة، وقد عرض عليه أهل الحيّ أكْثرَ من مرّة أنْ يجدّدوا له مَسكنَه فتعفّف وأبى .. وكانَ مَرجِعَ أهل الحيّ في كلّ شأنٍ، محبوبًا من كبَارهم وصغارهم .. لأنّه كان قريبًا من جميعهم ..
وقد رُزق سبعة بنين وخمس بنات، وكانت تربيته لهم على غاية من الأدب الجمّ وحسن الخلق، يغلب على جميعهم الحياء، فكأنّ البنين قبل البنات إناث خَفِرات .. وكنتُ بحكم صحبتي للشيخ وملازمتِه أكثرَ مَن ألِفَ أولادَه وألفُوني .. وكانَ البعيدُ عن الشيخ ربّما ظنّني بعضَ أولاده .. وكنتُ أفرحُ بهذا الظنّ وأُسَرّ ..
وكانَ له نظام في مأكله ومشربه ونومه وحياته، قلّما يخرج عنه إلاّ لضرورة ملحّة .. وكان في البيت دمثًا محبوبًا، ولكنّه ذو هيبة كبيرة .. فلا يرتفع صوته، ولا يخاصم أحدًا من أهله، وكانت زوجته على غاية من الأدب معه .. وقد عوّد أهله جميعًا أن يلحظوا رغباته قبل أن يصرّح بها ..
وفي نهاية المطاف مع الشيخ .. وفي الشهر الأخير من حياتي عنده ركّز كلّ اهتمامه على إعادة تأهيلي للحياة الأسريّة والاجتماعيّة .. وذلك أنّني ظهر منّي العزوف المطلق عن العودة إلى الحياة الزوجيّة .. وهل يمكن أن أتزوّج بعد فتون.؟! هكذا كنت أقول، ويضحك أبو دردرة .. ويقلّب نظره في وجوه الحاضرين .. صدّقوني كنت أقول:"إنّ الزواج بعد"فتون"من سابع المستحيلات.؟!".. ولكنّ مستحيلاتي السبعة كانت من الطرافة كحديث خرافة.! ما لبثت أن تبدّدت كما تتبدّد الأوهام ..