كنتُ أقضي معه كلّ يوم ساعات، تصل إلى أربع ساعات أو خمس .. وينتقل بنا الحديث من فنّ إلى آخر .. وكلّ حديثنا: حوار هادئ .. أسئلة بلا جواب .. وكلمات من الحكمة موجزة، كأنّه يستشرف بها المستقبل .. وجواب لإشكالات في النفس قبل أن أسأل عنها .. وكنت أجلس بين يديه مجلس التلمذة والأدب، وكان يتلقّى كلَّ ما عندي بصَدرٍ رحبٍ .. وطبيعة حديثه وأسلوبه كان يثير في نفسي الأسئلة التي لم تخطر على بالي من قبل، فتأخذ من اهتمامه ما لا أتصوّر من التفكير والتحليل، ولا يلقي الجواب عن شيء بغير رويّة، أو إعادة لطرح السؤال والمحاورة ..
وكان ممّا تحدّث به إليّ عن الزواج أنّه قال:"النساء! وما النساء! يعرف الإنسان منهنّ على حسب ما يرى من إحداهنّ .. من خيرٍ أو شرّ، وعرف أو نكر، إنّهنّ ضعيفات مستضعفات، ولكنّهنّ ذوات كيد عظيم، لا تقوم به قوّة الرجال وعزيمتهم، وعلمهم وعقلهم .. يغلبْنَ الكرام، ويغلبُهنّ اللئام .. ولا تطيبُ الحياة إلاّ بهنّ، وما أصدق قول الشاعر:"
كلُّ السعادةِ في الحياة عَقيلةٌ في بيتِ عَاقل
واعلم يا بنيّ! أنّ النساء أشدّ اختلافًا من أصابع الكفّ الواحد، فتوقّ منهنّ كلّ ذات بذاء، مجبولة على الأذى. فمنهنّ: المُعجَبة بنفسِها، المُزرية ببعلها، إن أكرمها رأته لفضلها عليه، لا تشكر على جميل، ولا ترضى منه بقليل، صوتها كالصهيل، ولسانها عليه سيف صقيل، قد كشفت القحَةُ ستر الحياء عن وجهها، فلا تستحي من إعوارها، ولا تأبه لجارها، مهارشةٌ ثرثارة، هرّارة عقّارة، وجه زوجها مكلوم، وعرضه مشتوم، وفكره مأزوم، وبصره زائغ يحوم، لا ترعى عليه الدنيا ولا الدين، ولا تحفظه لحسن صحبة، ولا لكثرة بنين، حجابه مهتوك، وستره منشور،