الصفحة 25 من 173

وإنّ عقد النكاح في ظلّ غيبة القيم الجوهريّة، أو سيطرة أنواع المجاهيل عن كلا الطرفين أو أحدهما سيكون مصيره الطلاق، أو قيام أسرة مفكّكة، محكومة بالعذاب طول العمر ..

لقد قلت لها وما ظلمتها: استقيمي معي على ما أدعوك إليه من وقوف عند حلال الدين وحرامه، وحدوده وآدابه، وأداء حقّ الزوج وحسن رعايته، ولك منّي أن أقاسمك أموالي كلّها برًّا بك، وبهؤلاء الأولاد، كيلا يتشتّت شملهم، ويتفرّقَ جمعهم، فهل عرضت عليها غلطًا، أو طلبت منها شططًا.؟

وقلت: إنّها بعض ذنوبي، فاسمعوا إلى قصّة اقتراني بها:

قَالَت لي والدتي: ألا أخطبُ لك يا بنيّ! فتقرّ بك عيني قبل وفاتي، وأفرح بك، كما فرحت بإخوتك وأخواتك.؟!

ـ فقلت لها: لا رغبةَ لي في الزواج في الوَقت الحاضر ..

ـ فقَالَت لي: لا تُسِئني بهذا الكلام يا بنيّ! وهل أنت مريض لتقول هذا الكلام.؟ لقد سمعت مرّات كثيرة من شيخنا أبي المكارم:"ما يمنعُ الرجلَ من النكاح إلاّ عجزٌ أو فجور".. ولا أظنّك مريضًا، وأنت أعزّ في نفسي وأكرم من أن تكون فاجرًا أو مُريبًا ..

ـ فاستحييت ممّا سمعت، وقلت غاضبًا: بصراحة .. أريد أن أختار شريكة حياتي بنفسي .. أنا لا أؤمن بطريقتكم التقليديّة في الخطوبة .. إنّكم تخطبون لأنفسكم، ولا تعيشون هذا العصر.!

ـ نحن لا نفرض عليك مَن لا تريدها .. قُل لنا طلباتك، ونحن نبحث لك عنها ..

وسكتّ قليلًا .. ثمّ قلت لها: أريد أن أعرفها بطريقتي الخاصّة قبلَ أن يعرفها أحد .. ومضت شهور قليلة رأت عَينايَ خلالها ما لا أحصي من الفتيات، وهنّ في أحسن صورة، وأبهج منظر .. ولم أر في واحدة منهنّ مَن خطفت قلبي، أو سلبت لبّي .. إلاّ واحدةً منهنّ، رأيتها مُقْبلةً منْ بعيد، فكأنّها الغزال يراود الصيّاد ويراوده، أو السراب يتراقص للظمآن على الأرض، فيزيدُه عطشًا على عطش، وأقبلَت كأنّها تريدُني بحركاتها وألحاظها، غادة غيداء [1] ، هيفاء [2] ، لفّاء [3] ، عنْقاء مُعنِقة [4] ، قَسيمة وَسيمة [5] ، ترتئد في مشيتها [6] ، وكَأنّها تنتظر من يلتفت إليها، أو يبدي لها إعجابَه بها، فنظرت إليها، ونظرت إليّ، ونظرت إليها، ونظرت إليّ .. فكأنّ نظرتي قَالَت كلَّ شيء .. وكأنّ نظرتَها قالَت شيئًا من شيء، ممّا يريده الشابّ ويتمنّاه .. وكأنّ جمالَ كلِّ أنثى قد صبّ في صورتها .. أو هكذا خُيّل لي.! كانت متبرّجة، ولكنّ تبرّجَها لم يبلغ بها حدَّ التبذّل، الذي تتقحّمُه العيون، ولو كانت تشرَهُ إليه، وتأباه القلوبُ، ولو كَانت تفتتِنُ به .. وتبعَتها عيناي بعد أن تبِعها قلبي، فتظاهرَت أنّها تمشي في طريقها، ولم تبالِ بما فعلتْ بي، فغضبت في نفسي وحنقت، وعزَمتُ أن أتبعها إلى أن ينتهيَ بها المسير .. فعَرفت مَنزلها، وفي اليَوم التالي أرسلْتُ أمّي تخطبها، وقلت لها: أعرفها، قبل أن تعرفيها، فاخطبيها، ولا تَصفيها .. وعندَما

(1) ـ الناعمة الليّنة المتثنّية لينًا.

(2) ـ الضامرة البطن الدقيقة الخصر.

(3) ـ الممتلئة الجسم لا عن سمن مستقبح.

(4) ـ طويلة العنق.

(5) ـ قَسيمة وَسيمة أي جميلة جذّابة لمن نظر إليها.

(6) ـ تهتزّ وتتثنّى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت