الصفحة 58 من 173

وساقت الأقدار والدتي إلى أحسن ممّا أتوقّع وأريد، وكان زواجي أسرع من غمضة النائم، أو حلم الحالم .. وابتسم لي القدر المُسعِد عن فتاة أحلامي، وأنس أيّامي، فتاة حسناء عروب، تملأ السمع والبصر، وتملك العقل والقلب، برقّة قولها، وصدق عواطفها، وحسن استجابتها وأدبها، لم أر منها إلاّ ما يسرّ، وكأنّها لم تنبت في بيئة تخلّف وفقر .. وهبتني من حبّها وإخلاصها، ولطفها وأدبها فوق ما وهبتُها، ومضت حياتي معها سعيدة هائنة، كأنّها أحلام الشعراء، أو تكرمة الأتقياء .. كانت كلّ يوم تزيد علاقتنا توثيقًا، وودّنا تألّقًا، ورزقت منها المولود الأوّل، ثمّ الثاني فقويت وشائجنا أكثر، وتوثّقت علائقنا بصورة أكبر، وما كان يخطر على قلبي وقلبها يومًا أن تتلاشى أحلامنا، أو تتحطّم آمالنا، إذ كلّ حياتنا وعلاقتنا كانت تسير من حسن إلى ما هو أحسن، لا يشوب صفوها كدر، ولا يعكّر سماءها غيم ولا قتر .. حتّى شاع بين أقرب الناس إلينا أنّ حياتنا تجدّد سيرة العشّاق، وتبعث الحياة فيما طوي من أخبارهم في الأوراق .. ولم أكن أرى في الدنيا أحدًا أسعد حالًا، وأهنأ عيشًا منّا .. وكانت حياتنا أشبه بقول الشاعر:

أنا مَن أهوى، ومَن أهوى أنا نحنُ روحان حللنا بدنا

فإذا أبصَرتَه ... أبصرتَنِي وإذا أبصَرتَنِي أبصرتَنا

وكان من شدّة حبّي لها، وحرصي على إسعادها أن أغدقت الخير على أهلها بغير حساب، ممّا وسّع الله عليّ، لا منًّا منّي ولا أذى، بل لله المنّة والفضل، ومن أجل عين ألف عين تكرم .. وكانت علاقتي بهم جميعًا على أحسن ما يرام ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت