وكأنّه لا يعني سواها فيما تتقلّب من حياة العزّ، ونعمة العيش، دون ترف أو بطر، وكم ضاع بهما من شرف الأصل ورفيع الرتب.!
وكنت وهي أشبه بقول الشاعر:
فلم تك تصلح إلاّ له ولم يك يصلح إلاّ لها
كانت الفتاة مشربة بحبّ أبيها، ومنهجه في الحياة ومثاليّته، مدحُ أبيها والثناء عليه جلّ حديثها، وعلى طرف لسانها، وقديمًا قال العرب:"كلّ فتاة بأبيها معجبة".. وقلّ في بنات اليوم من يكنّ كذلك ..
وعندما بادلتها أطراف الحديث في العلم، وجدتُهَا قد أخذت من كلّ علمٍ بطرف، وتحفظ من طرائف العلم والأدب ما يجعل حديثها زينة المجالس، وبهجة المؤانس ..
وتمّ زواجنا بعد سنة من العقد عليها .. وقد تأجّج شوق كلّ منا لصاحبه، وكأنّ القائل قد قال ما قال عنّا وفينا:
ولمّا تلاقينا جرت من عيوننا دموع كففنا ماءها بالأصابع
ونلنا سِقَاطًا من حديث كأنّه جنى النحل ممزوجًا بماء الوقائع [1]
وكأنّ الآخر كان يعنينا فيما يقول:
وأفضيت منها إلى جنّة تدلّت ... عليّ ... بأثمارها
تحيّر من حسنها ... فهمها وتاه وحقّ له أن يتيها
رأت نفسها ورأت غيرها فلم تر فيها لشيء شبيها
(1) ـ سِقَاط الحديث: أن يتحدّث الواحد وينصت له الآخر، فإذا سكت تحدّث الساكت. والوقيعة نقرة في الجبل يستنقع فيها الماء.