الصفحة 84 من 173

وتكال لها الشتائم بكلّ لسان، وتريد أن تنتصر لنفسها فيخذلها البيان، فتلجأ إلى أقوى أسلحتها الكيد، فلا تبوء منه إلاّ بأسوأ صدّ وردّ .. فأنّى لي بمثل هذا الحال أن أتزوّج زواجًا، أسعد فيه بأسرة كريمة، ولا يئول بي إلى معركة مشئومة، ومآثم عظيمة ..

لقد عشت في أعطاف النعم، وتقلّبت في رياض الثراءِ ومسارح الكرم، ورزقت منذ الصغر نفسًا عصماء، وهمّة قعساء، وروحًا طموحًا، ورغبة جموحًا، لا أرضى بأمر أن أكونَ فيه من عامّة الناس، بل أحبّ التقدّم والصدارة في كلّ شأن، كما أحبّ التجديد، وأكره القيود، فهي تقتل الهمّة، وتحجب السعود .. وربّما دفعت رفاهية العيش غيري إلى أن يكون دنيّ الهمّة، فاتر العزيمة، ولكنّ الله تعالى أكرمني بنفس أبيّة، وروح طموح، لا ترضى عن العزّ بدلًا، ولا دون العلياء منزلًا ..

وكان من أكثر الناس تأثيرًا في بناء شخصيّتي، وتحديد اتّجاهي في الحياة وحفزِ همّتي: معلّم رسم، درّسني في الصف الرابع الابتدائيّ، لم يكن على درجة كبيرة من العلم والثقافة الدينيّة، ولكنّه كان ذا شخصيّة قويّة جذّابة، وروح مؤثّرة محبّبة، وأسلوب متميّز، وقدرة عجيبة على غرس المبادئ التي يؤمن بها ..

كان يرانا أمامه رجالًا لا أطفالًا، ويخاطبنا بلهجة خطابيّة، تشدّ انتباهنا، وتلهب مشاعرنا، ونحن نردّد وراءه شعارات، يريد لها أن تستقرّ في أعماق وجداننا مبادئ لا ننساها، ولا نتخلّى عنها ما حيينا .. كان يقول لنا:

الأطفال بألعابهم.! فنجيبه: لا، بهممهم .. فيقول: الرجال بجمالهم.! فنجيبه: لا، بعقولهم .. فيقول: الأبطال بأجسامهم.! فنجيبه: لا، بأفعالهم .. فيقول: الكرام بأموالهم.! فنجيبه: لا، بأخلاقهم ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت