وأنا ابن عشرين من السنين بين يدي من الأموال ما لا أحصي .. وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ..
على أنّ المال متاع جموح، يغدو ويروح، ولكنّ خير ما استفدت من صحبة الأمير ومجالسته ما كان يجتمع في مجلسه بصورة دوريّة، من لقاء بعض العلماء والأدباء، الذين يتحفون الجالسين بروائع الشعر وعيون الأخبار، وأنا بفطرتي أحبّ الشعر، وأطرب لسماعه، وبخاصّة شعر الغزل، وأخباره .. فكتبت وحفظت من ذلك الشيء الكثير .. وكنت أمنّي النفس أنّني إذا تزوّجت سأجدّد مع زوجتي سيرة الغزل العربيّ على أحسن ما يكون ..
وكانت عنده مكتبة جمعت أمّهات كتب الأدب، ودواوين الشعراء على اختلاف طبقاتهم وأزمانهم، فكنت أقضي فيها الساعات الطوال، ما بين قراءة وكتابة في مجموعي الخاصّ ..
وعدت لزيارة والديّ وعشيرتي بعد أن انقطعت عنهم عشر سنين تامّة، لا يعرفون شيئًا من أخباري، إلاّ شوارد الكلام، وبعض الظنون والأوهام، وبين يدي من الأموال ما أدهش أهلي، وعدتُ عليهم ببعض ما أنعم الله به عليّ، ممّا أصلح أحوالهم، وغيّر حياتهم، ومكثتُ فيهم ستّة أشهر، وكأنّني مولود جديد .. وعندما أردت العودة إلى عملي عزم عليّ والديّ أن لا أعود إلاّ وأنا متزوّج، واختار لي والدي إحدى بنات عمومتي، وكانت طموحاتي غير ذلك .. ولكن لابدّ من طاعة الوالد.! وتزوّجت في البادية، بتقاليدها وعاداتها، وكان يوم زواجي مشهودًا، قرّت به عين الوالدين، ونلت به رضاهما .. ثمّ عدت إلى عملي في المدينة ..