والعطاء، والتضحية والفداء، فكان بذلك من أهل اليد العليا، الذين تعتمد دعوة الله عليهم، لأنّهم يخِفُّون عند الفزع، ويقلّون عند الطمع، ويحرصون أن تخفى أعمالهم، ولا يعرف مكانُهم، وَهُم خير من تقوم عليهم الدعوات وتُعلى، وتنهض بهم الرسالات وتَقوى، وتُؤسّس بهم الحضارات وتبنى .. وهل كان المهاجرون والأنصار - رضي الله عنهم - إلاّ من هؤلاء الأبرار الأطهار .. ؟
وإنّ الدنيا بحذافيرها لأتفه وأقلّ، من أن تكون جزاء عملٍ واحدٍ من أعمال أحدهم وجهاده، فأنّى لها أن تكون جزاء أعمالهم، وكفاء تضحياتهم.؟!
وكلّما ضعف إيمان الإنسان، أو كان حديث عهد بهذا الدين كان أحوج إلى تأليف قلبه على دين الله، حتّى يقوى إيمانه، ويترسّخ يقينه، فيلحق بأهل البذل والعطاء .. وإنّها لسياسة حكيمة رشيدَة، تثبت خلوص دعوة الحقّ لله تعالى، وتجرّدها عن المطامع المادّيّة، والأغراض الدنيويّة، وبعدها عن ابتغاء الحظوظ العاجلة ..
وتتبدّى لنا الحكمة النبويّة بأجلى صورها، في قول بعض هؤلاء المؤلّفة قلوبهم:"لقد أعطاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإنّه لأبغض الخلق إليّ، فما زال يعطيني، حتّى إنّه لأحبّ"