ثم طالبنا أمتنا بتطوير الأخلاق، التي جاء النبي الأكرم صلى الله عليه وآله لإتمامها حين قال إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق، مؤملين أن لا ينظر القارئ الكريم لما قلناه، بعين قصير الهمة، فإنه حينها سيرى ما ذكرناه، من الواقع المأمول خيالًا. وإننا لنهيب به، أن يسعى نحو هذا الذي يظنه خيالًا، فإنه إن لم يدركه فسيدرك بعضه، وبعضه كاف للتقدم بل وللتميز.
الحضارة الغربية اليوم، وهي تتعملق في قدراتها الماديّة، تتقزم - ويا للأسف - في اتجاهاتها المعنويّة.
فالمأزق الأخلاقي المهلك، الذي وقعت فيه وقادت العالم إليه، هو في إيهام وتوهم، أن السعادة هي في التمكن من الاستهلاك.
فالإنسان اليوم في كل بقاع الأرض، وتأثرًا بالحضارة الغربية، يقيس السعادة في الغنى والثروة، والتمكين من مختلف جوانب القوة المادية، من مسكن فاخر، ومدينة متطورة نظيفة، ومواصلات ميسرة، وعلاج متقدم، ورعاية في الشيخوخة، وضمان اجتماعي،
ووفرة في المعروض من السلع، وقدرة على الشراء، ثم في امتلاك القوة القادرة على الردع، بل أكثر من ذلك القادرة على إدخال الرهبة في الآخر. وكذلك في نظام تعليمي مثمر، ووظائف ممكنة، وتطور علمي قادر على حل المشكلات واكتشاف الجديد.
هذا هو لباس السعادة الذي قدمته حضارة الغرب بكل اتجاهاتها للإنسانية، وقد تقبلته الإنسانية جمعاء لم تختلف عليه، وإنما اختلفت على حيازة أسبابه من ثروات الطبيعة، وأسباب القوة، وأسرار العلوم طمعًا في أن ينال كل وحد قصب السبق في أسباب السعادة وإن كانت على شقاء الآخرين.