وهكذا يمكن القيام على صناعة وتربية، إنسان حر في جوانبه الثلاثة: إنسان حر الفكر، حرٌّ في القول، حرٌّ في العمل.
فالإنسان الحر في تفكيره، هو من لا يأسره إلاّ الدليل والبرهان، يدور معه حيث ما دار، لا يتعصب لقول دون قول، ولا لمذهب دون مذهب، حتى لو خالف ما كان عليه من قناعاته ومسلماته، والجدال المفتوح بالتي هي أحسن هو ميدان تتدرب فيه عقول الناس، على قبول الحق دون مواربة، وإن خالف رأيًا أو شهوة أو رغبة، وهذا الإنسان حر الفكر والتفكير هو رأسمال التقدم.
وبإزالة احتكار وسائل التعبير، و إزالة التهديد بالعقوبة والأذى، لكل من يقول ما يخالف مراكز القوى، سنفتح المجال للإنسان، أن يكون حرًا في قوله، لا يكتم الحق الذي رآه، ولا يتتعتع في الإدلاء بشهادة، لفكرة أو ضدها، فنضمن أن يعبر كل إنسان عما يراه حقًا، ونساهم في خلق الركيزة الثانية من ركائز الإنسان الحر: حرية القول.
وحينما نسمح بحرية العمل للجميع، وفق ما بلغته قناعاتهم، عبر الأنظمة الاجتماعية الديمقراطية المتاحة، فإننا نساعد في خلق الناحية الثالثة للإنسان الحر، الذي لا يخالف فعله قوله، والذي يلزم نفسه قبل الآخرين بما يقول، أملا في أن نصل يوما إلى الإنسان الحر، الذي يفكر مسئولا، ويقول مسئولا، ويفعل مسئولا.
هذا التعاضد بين حرية الفكر والقول والعمل، على المستويين الاجتماعي والفردي، يشكلان جدلية لن تظهر ثمارها في الإنسان سريعا، ولكنها المفتاح الضروري لبداية صحيحة، فبدون ذلك لن نضمن تصحيح أي خطأ أو انحراف أو جهل أو ضلال.
من الثمرات الطبيعية للحرية نبذ المذهبيّة، ولكن ونظرًا لتغلغل المذهبيّة عميقًا في المجتمعات العربية والإسلامية، فإنها تستحق إبرازها كنقطة مستقلة. فالمسلمون اليوم تمزقهم المذاهب الدينية والفقهية والكلامية، عوضًا عن المذاهب السياسية والفكرية القديمة والحديثة.