زال تصديق القلب لم تنفع بقية الأجزاء، فإن تصديق القلب شرط في اعتقادها وكونها نافعة، وإذا زال عمل القلب مع اعتقاد الصدق، فهذا موضع المعركة بين المرجئة وأهل السنة، فأهل السنة مجمعون على زوال الإيمان وأنه لا ينفع التصديق مع انتفاء عمل القلب وهو محبته وانقياده، كما لم ينفع إبليس وفرعون وقومه واليهود والمشركين الذين كانوا يعتقدون صدق الرسول، بل ويقرون به سرا وجهرا، ويقولون: ليس بكاذب، ولكن لا نتبعه ولا نؤمن به؛ وإذا كان الإيمان يزول بزوال عمل القلب فغير مستنكر أن يزول بزوال أعظم أعمال الجوارح (يقصد الصلاة) ، ولا سيما إذا كان ملزومًا لعدم محبة القلب وانقياده الذي هو ملزوم لعدم التصديق الجازم كما تقدم تقريره، فإنه يلزم من عدم طاعة القلب عدم طاعة الجوارح، إذ لو أطاع القلب وانقاد أطاعت الجوارح وانقادت، ويلزم من عدم طاعته وانقياده عدم التصديق المستلزم للطاعة وهو حقيقة الإيمان، فإن الإيمان ليس هو مجرد التصديق كما تقدم بيانه، وإنما هو التصديق المستلزم للطاعة والانقياد" [1] ."
وقال:
"من أمحل المحال أن يقوم بقلب العبد إيمان جازم لا يتقاضاها فعل طاعة ولا ترك معصية" [2] .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:
"ثم القلب هو الأصل، فإذا كان فيه معرفة وإرادة، سرى ذلك إلى البدن بالضرورة، لا يمكن أن يتخلف البدن عما يريده القلب، ولهذا قال النبي في الحديث الصحيح:"ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد، ألا وهي القلب" [3] ... فإذا كان القلب صالحًا بما فيه من الإيمان علما وعملا قلبيا، لزم ضرورة صلاح الجسد بالقول الظاهر والعمل بالإيمان المطلق، كما قال أئمة أهل الحديث:"
(1) ابن القيم، كتاب الصلاة، ص25.
(2) ابن القيم، المرجع السابق، ص19.
(3) رواه البخاري في الإيمان، (52) ، ومسلم في المسافات، شرح النووي، وابن ماجه في الفتن، (3984) .