فهرس الكتاب

الصفحة 76 من 118

وبهذا كله، يتعين فساد ما رام (أدعياء السلفية) بلوغه، وتهافت ما ركبوا لتحصيله، وما عاد يخشى من نفوذ قولهم، لولا ما برع فيه بعضهم من تلبيس الحق بالباطل، تمكينا لعقيدة الجهم وتأصيلا لما ورثوه عنه من اشتراط الاعتقاد القلبي في التكفير بالأعمال المكفرة بنفسها!! ولكن أليس في التجائهم إلى التلبيس أكبر شاهد على شعورهم بتهافت مذهبهم وتداعي بنيانهم؟؟ [1]

(1) وهاك شاهدا ظاهرا على ذلك:

فقد دفعت (الحلبي) رغبة الانتصار لمذهبه (الإرجائي المُخَذّل) على الافتراء الظاهر على الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى.

إذ لما أدرك (الحلبي) أن الحافظ ابن كثير يكفر من بدل شرع الله بمجرد الفعل مع قطع النظر عن (الشرط الإرجائي: شرط الاعتقاد) ، كما في قوله العام الشامل الواضح الذي ضرب فيه مثلًا بالتتار الذين بدلوا شرع الله، فقال رحمه الله قولا هو قاصمة الظهر لمرجئة العصر:

قال ابن كثير:"ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله المحكم المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر، وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات، التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكيزخان الذي وضع لهم الياسق، وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام اقتبسها من شرائع شتى: من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية وغيرها، وفيها كثير من الأحكام التي أخذها من مجرد نظره وهواه، فصارت في بنيه شرعًا متبعًا يقدمونه على الحكم بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فمن فعل ذلك منهم فهو كافر يجب قتاله، حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله، فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير" [التفسير، 2/ 107] ، في تفسير قوله تعالى: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ) . فلما رأى (الحلبي) أن ابن كثير يكفر من ترك حكم الله وبدله بغيره في قليل أو كثير، يكفر من فعل ذلك بمجرد الفعل مع قطع النظر عن الاعتقاد، لما رأى (الحلبي) ذلك سُقِط في يده، ثم تحايل ولبّس بثلاثة أمور:

الأمر الأول، حاول أن يجعل قول ابن كثير خاصا بالتتار فقط، ثم اجتهد في بيان ما لدى التتار من عقائد فاسدة!!

وهذا تخصيص فاسد، لأن من له مسكة عقل وأدنى معرفة بلغة العرب يدرك أن ابن كثير أورد أهل الجاهلية والتتار الذين كان منهم من دخل في الإسلام، كمثال على من ترك حكم الله وبدله بغيره، ولهذا بدأ كلا المثالين بقوله:"كما"، بحيث يمكن حذف المثالين معا من كلامه، مع بقاء الكلام متسقا وقاضيا بكفر كل من ترك حكم الله وأبدله بغيره.

الأمر الثاني، وهُنا لجأ (الحلبي) إلى الكذب الظاهر! حيث زعم أن ابن كثير لم يكفر التتار لمجرد التبديل ولكن لأنهم (كذبوا وقصدوا الكفر) ، فقال (الحلبي) : فقد كفرهم"لأنهم جحدوا حكم الله قصدًا منهم وعنادًا وعمدًا"كما قال هو نفسه في تفسيره" [التحذير، ص15] . وقد ظن أن الحيلة ستنطلي على المسلمين، ولكن الله سبحانه وتعالى كشف سوء صنيعه، إذ بالرجوع إلى [تفسير ابن كثير، 2/ 98، سورة المائدة، الآية 45] ، تبين أن ابن كثير كان يتكلم عن اليهود لا عن التتار، وأن اليهود هم الذين كفروا بالجحود، فتأمل!!"

ولهذا وغيره فنحن نحذر المسلمين من تلبيسات هذا الرجل، والله المستعان.

وقد نبهنا على كذب (الحلبي) السابق د. محمد أبو الرحيم، في كتابه: تحذير الأمة من تعليقات الحلبي على أقوال الأئمة، جامعة العلوم التطبيقية، الطبعة الأولى، 1997.

الأمر الثالث، حيث حاول في صيحته أن يجعل مناط تكفير ابن كثير للمبدل هو الاعتقاد لا الفعل حتى ينضبط حكم التكفير حسب زعمه، فقوّل ابن كثير ما لم يقله، وتجاسر على هذا الإمام تجاسرا بليغا، إذ هل يُعقل أن تكون عقيدة ابن كثير من نفس طينة عقيدة (الحلبي) و (الجهم) ؟

وحسبك في بيان تلبيس ذلك الرجل أن تمعن النظر في كلام ابن كثير السالف وتبحث عما إذا كان قد اشترط الاعتقاد في كفر المبدل المستحل؟؟ ثم تتأمل قول ابن كثير بعد أن ذكر بعض القوانين التي تضمنتها الياسا:

"فمن ترك الشرع المحكم المنزّل على محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة، فكيف بمن تحاكم إلى الياسا وقدمها عليه؟ من فعل ذلك كفر بإجماع المسلمين" [البداية والنهاية، 13/ 128] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت