كتاب البخاري هذا أصل في مسألة السماع فغالب كتب الجرح والتعديل والسير ممن اهتم بذكر الرواة وتراجمهم.
نجدهم يذكرون الراوي وشيوخه ومن روى عنه بـ"عن".
أما البخاري رحمه الله تعالى فنجده يصرح بسماعات الرواة كأن يقول سمع من فلان وسمع منه فنجده يتعين في إثبات السماع للرواة ولاشك في الفائدة العظيمة التي تحصل بذكر السماع من العمل على الاتصال في الأسانيد.
حتى ذكر بعض الباحثين أن البخاري إذا عدل عن السماع إلى"عن"فإما لعدم ثبوت السماع أو التشكيك والقدح في سماعاته.
قال الدكتور أحمد عبد الله أحمد:"وقد ظهر لي بالتتبع والاستقراء أن البخاري إذا عدل عن سمع"إلى"عن"في ذكره لشيوخ الراوي فإن"عن"تعني عنده غالبا عدم اللقاء أو السماع". [1] "
كما أنه نفى رحمه الله سماع كثير من الرواة بقوله:"لا يعلم له سماع"
أو لا أعرف له سماعًا، لم يتبين سماعه"، أو: لم يذكر سماعًا، أو لم يسمع، أو مرسل"أو"منقطع"... الخ إلى غير ذلك من عباراته.
أمثلة:
كما أنه رحمه الله يخرج للراوي أحاديث ليس لشيء، اللهم إلا لبيان سماع ذلك الراوي من شيخه، كما صنع مع سليمان الأسود مع ابن أبي (عروبه) . [2]
أمثلة:
وذكره للاحتمال إذا لم يتيقن السماع كأن يقول:"ويمكن أن يكون سمع من معاذ".
كما في ترجمة أبي إدريس الخولاني.
حيث قال:"عائذ الله بن عبد الله أبو إدريس الخولاني الشامي ولد عام حنين قاله أبو مسهر ويمكن أن يكون سمع من معاذ، قال ابن عيينة ومعمر عن الزهري عن أبي إدريس قال أدركت عبادة بن الصامت ووعيت عنه وأدركت أبا الدرداء ووعيت عنه وأدركت شداد بن أوس ووعيت عنه وفاتني معاذ بن جبل، وسمع ابن مسعود والمغيرة بن شعبة روى عنه يونس بن ميسرة وبسر بن عبيد الله وربيعة بن يزيد" [3] .
قال عداب محمود الحمش: وقد كانت عناية الإمام البخاري منصرفة إلى نقد الأحاديث، أكثر من انصرافها إلى ذكر الجرح والتعديل، ذلك أن الرواة الذين تكلم عليهم بجرح أو تعديل يقلون عن ألفي رجل، والرواة الذين سكت عليهم يزيدون عن أحد عشرة ألف راو.
بينما كانت الأحاديث التي تكلم عليها بالنقد، تزيد على أربعة آلاف حديث، فكان يقول مثلا: هذا الحديث أصح [4] ، وهذا هو الصحيح [5] ،ولا يصح [6] ، مرسل [7] ، منقطع [8] ، لا يتابع في حديثه [9] ، لم يثبت حديثه [10] .
ويتكلم على الأسانيد فيقول: لا يصح فيه ذكر فلان [11] ، وغير ذلك" [12] ."
يقول الحمش: وقد كان البخاري حفيا بمسألة السماع أشد احتفاء وسأضرب بين يديك نماذج من ذلك توضح لك منهج البخاري في قضية السماع.
1 -محمد بن أبان: حدثني قتيبة عن هشيم عن منصور عن محمد بن أبان القرشي عن عائشة.
قال أبو عبد الله: ولا نعرف لمحمد سماعًا من عائشة؟!
(1) - منهج البخاري في التعليل، ص 389
(4) -التاريخ الكبير 1/ 46 - 100
(5) -التاريخ الكبير 1/ 47
(6) -التاريخ الكبير 1/ 33، 43، 49، 56، 96)
(7) -التاريخ الكبير (1/ 25، 30، 41، 44، 68، 81)
(8) -التاريخ الكبير (1/ 48، 73، 81، 92 )
(9) -التاريخ الكبير (1/ 36)
(10) -التاريخ الكبير (2/ 273، 491)
(11) - التاريخ الكبير (1/ 43 - 49)
(12) - الرواة المسكوت عنهم (32 - 33) .