إن أول ما يبدأ به الباحث في دراسة منهج مؤلف ما في مؤلف ما، ألا وهو نسبة هذا الكتاب لصاحبه. وسأضرب صفحًا عن هذا المبحث لأسباب:
أولا: شهرة هذا الكتاب ونسبته لمؤلفه - رحمه الله تعالى-
ثانيا: نسبة كبار العلماء لهذا الكتاب لمؤلفه وأصحاب الفهارس والأثبات والمعاجم والمشيخات بل لم يزل العلماء يعدونه ضمن مروياتهم عن شيوخهم إلى زمانهم بأسانيد طوال، ومن ذلك أن الحافظ ابن حجر عده ضمن مروياته في كتابه المعجم المفهرس. [1]
مما يدل على مكانة كتاب التاريخ الكبير عدة أشياء لعل من أبرزها حادثتين اثنين وقعتا في حياة مؤلفه.
الحادثة الأولى: أن شيخ البخاري - وهو إسحاق بن راهويه- أخذ نسخة من التاريخ الكبير وأدخلها على الأمير ابن الطاهر، فقال له ألا أريك سحرا، فأخرج له التاريخ الكبير للبخاري، وهذه الواقعة حدثت قبل 18 سنة من وفاة البخاري - رحمه الله- وذلك إذا نظرنا إلى زمن وفاتيهما، فإسحاق بن راهويه توفي سنة 238 هـ والبخاري سنة 256 هـ فالفارق بين وفاتيهما 18 سنة.
وهذا معناه أن كتاب محمد بن إسماعيل البخاري اشتهر وطارت به الركبان وهو لا يزال في الأربعين من عمره وبالضبط 44 سنة، إن لم يكن قبل ذلك بكثير.
الحادثة الثانية: أن الأمير خالد الذهلي طلب من البخاري أن يقرأ عليه كتابين اثنين: الجامع والتاريخ فأبي، فطلب الأمير خالد كان للصحيح الجامع والتاريخ الكبير دون سائر كتبه ولا سيما وهي كثيرة، وما ذلك إلا لمكانة الكتابين.
ومما يدل على رفقة هذا الكتاب أيضا كون البخاري -رحمه الله- حدث به في بغداد والقيمة العلمية لهذه المدينة العلمية لا تخفي على أحد ولا سيما في حقبته، ولا يسع لأي كان أن يعقد فيها مجلسه لوفرة أئمتها وعلمائها كأبي عبد الله أحمد بن حنبل ويحيى بن معين والشافعي وغيرهم كثير وهم أئمة هذا الشأن.
(1) -الصفحة (251 الرقم 630)