فهرس الكتاب
وبهذا يكون قد نشأ ما أطلقنا عليه بالتقسيم النحوي فقد قسم النحاة الأدوات إذن إلى قسمين: أدوات عاملة وأدوات غير عاملة، ولكن هذا التقسيم لم يظهر بشكل واضح إلا في فترات متأخرة في الكتب التعليمية، أما في كتب النحوالمتقدمة فهو مفهوم من طريقتهم في دراسة الأدوات دون أن يكون منهم قصد مباشر إلى تقسيمها، ولعل ذلك راجع إلى شعورهم أن الأصل في الأدوات الشرطية العمل، وأن الجزم سمة من سمات الأداة الشرطية فوصفوا الأدوات الهوامل بأن فيها معنى الشرط.
وبدأت هذه القسمة عند سيبويه، إذ عدد الأدوات العاملة، ثم تحدث بعد ذلك عن أدوات أخرى. وهي: (كيف) و (إذا) ، أما (كيف) فإنه يروي عن الخليل استكراه الجزم بها فهي ليست (من حروف الجزاء، ومخرجها عن الجزاء) [1] ، وهذا يعني أمرين: الأول إخراج (كيف) من أدوات الشرط، والثاني ربط الشرط بالجزم.
ومن هنا يمكن أن نفهم أيضا الكلام على (إذا) فهي ليست من أدوات الشرط، وإلا في مستوى معين من الاستخدام وهو الشعر في الشعر تجزم الفعل [2] ، ويسأل سيبويه الخليل عن السبب الذي من أجله لا يستخدمون (إذا) في الشرط فيجيبه بأن (إذا) إنَّما تجيءُ وقتًا معلوما [3] ، ومعنى ذلك أنها إنَّما تعين نقطة التقاء حدثين في المستقبل، دون أنْ تجعل حدوث أحدهما مشروطا بحدوث الآخر. ولكنها في الشعر كما تلاحظ من الشواهد المذكورة [4] تضطلع بتلك الوظيفة الشرطية، فتجمع إلى تعيينها نقطة التقاء الحدثين في المستقبل ترتب حدوث أحدهما على الآخر، فتمتاز بذلك على (أنْ) .
وننتهي من هذا إلى أن جذور القسمة النحوية للأدوات قد بدأت في الكتاب، فرغم ربط (حروف الجزاء) بالقدرة على الحزم، ومحاولة إقصاء (كيف) عن مجموعة (حروف الجزاء) ، والسكوت عن حرف مثل (لو) ، رغم ذلك نقول إنَّ هذا يشي بوجود أدوات الشرط الهوامل.
واتخذت الأدوات العوامل تقسيما داخليا، وهو:
(1) ما يجزم في مستوى معين من الاستخدام اللغوي وهو الشعر: وهي الأداة (إذا) .
(2) ما يجزم في المستويات المختلفة للاستخدام اللغوي، وهي ما عدد سيبويه من أدوات في بداية باب الجزاء [5] .
ونستطيع القول إننا أمام محورين من محاور التقسيم: الأول هو محور الإعمال والإهمال؛ والمحور الثانى مستوى الاستخدام. وسوف نراقب مراعاة هذين المحورين فيما يأتي من محاولات تقسيم نحوية.
(1) سيبويه، الكتاب 3: 60، ومخرجها على الجزاء أي: المعنى المفهوم من الجملة هوما يفهم من الجملة الشرطية.
(2) سيبويه، الكتاب 3: 61.
(3) سيبويه، الكتاب 3: 60.
(4) سيبويه، الكتاب 3: 61 - 62.
(5) سيبويه، الكتاب 3: 56.