فهرس الكتاب

الصفحة 128 من 272

الحالة من الاحتكام إلى السياق، وإلى مضمون الجملة، فالمضامين الشرطية تكون كالقوانين التي لا ترتبط بوقت محدد إذا كان الزمن هو موضوع الشرط.

والمشكلة الثانية قصر (إذا) الشرطية على الشعر وجعل ذلك ضرورة، فهذا الحكم يحتاج إلى كثير من التمحيص والمراجعة، ذلك أنه لا يمكن قبول قضية معيارية لا تستند إلى كثير من الاستقراء لظاهرة لغوية معينة في جميع المستويات اللغوية، ولوروجعت النصوص النثرية لربما وجدت (إذا) الشرطية مستخدمة فيها، ونضرب مثالا على ذلك من استخدام أحد النحويين الذي يتابعون سيبويه فيما ذهب إليه وهو المبرد [1] . يقول المبرد في معرض حديثه عن (من) وأنها لما يعقل:

(وإذا اختلط المذكوران جرى على أحدهما ما هو للآخر إذا كان في مثل معناه، لأن المتكلم يبين به ما في الآخر وان كان لفظة مخالفا) [2]

فالمبرد يقرر في الجملة التى تحتها خط قاعدة عامة، ولاشك أن استخدامه لـ (اذا) في الموضعين كان استخداما شرطيا؛ وقضية الابهام متصلة بقضية الصلة، فان انعتاق الاداة من أن يكون ما بعدها صلة لها يحقق ما يراد لها من الدلالة على الابهام والعموم، ومن أجل هذا وجب أن تكون (من) ، و (ما) غير موصولتين في الشرط، ومن أجل ذلك تفقد (من) الدلالة الشرطية اذا دخلت عليها (ان) لأنها تدخل على الجملة البسيطة وقد ذكر سيبويه أن (مَن) تتحول من الشرطية إلى الموصولية إذا دخلت عليها (إنّ) وغيرها مما يدخل على المبتدأ والخبر [3] .

وعلل لذلك ابن السراج فيما بعد بقوله:

(ولوأدخلت إنَّ المشددة على(مَن) لقلت: إِنَّ مَنْ يَزُورُنَا نَزورُه، لأن المجازاة لا تقع هاهنا، فإن قلت: فَلِمَ لا تعملُ (إنّ) في (مَن) وتدعها للمجازاة كما أعملت إنَّ الابتداء؟ فلأن (إنْ) التي للمجازاة لا تقع ها هنا لأن إنَّ المشددة، توجب بها والمجازأو أمر مبهم، يعني أنه لا يقع (إنْ) التي للمجازاة بعد (إنَّ) الناصبة، والمجازاة ليس بشيء مخصوص إنما هو للعامة وإنَّ الناصبة للإيجاب، وكذلك: لَيْتَ مَنْ يَزُورُنا نَزُورُه، ولَعَلَ وكَانَ ولَيْسَ، لأنك إذا قلت: مَنْ يَزُورُنا نَزُورُه [4] ، وما تُعْطي نأخذ [5] ، فأنت تبهم ولا توضح، وهكذا يجيء الجزاء بمن وأخواته، فَإنْ أوضحت منه شيئًا بصلة ذهب عنه هذا العمل وجرى مجرى (الذي) [6] .

ويبين الجرجاني لماذا تلازم دلالة الشياع أدوات الشرط منطلقا من الوظيفة التي تؤديها بها في الجملة، يقول الجرجاني: (اعلم أن هذه الأسماء نابت مناب(إنْ) لضرب من الاختصار والتقريب وذلك أَنه كان يحب أن يقال:

(1) المبرد، المقتضب 2: 55.

(2) المبرد، المقتضب 2: 51.

(3) سيبويه، الكتاب 3: 73.

(4) هكذا في الكتاب المطبوع وصحتها: من يزرنْا نزرهْ.

(5) هكذا في الكتاب المطبوع وصحتها: وما تعطِ نأخذْ.

(6) ابن السراج، أصول النحو 2: 171 - 172.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت