الذي يأتِيني فلَه دِرْهَم، فيه معنى المجازاة ولا يجازى به وإنَّما كان فيه معنى المجازاة لأن بالاتيان استحق الدرهم، ووجه الكلام أنْ ترفع شرطها وجوابها) [1] .
الفرق عنده بين استخدام (إذا) في النثر والشعر أنها لا تجزم في النثر وتجزم في الشعر. ولكن سيبويه لا يقصد من المجازاة بها في الشعر الجزم بها، والدليل على ذلك أنه فرّق بين استخدام (إذا) و (إنْ) في النثر على أساس من الدلالة الدقيقة التي تؤديها فبيّن نقلا عن أُستاذه الخليل، أنه يَحسُن القول: أجِئتُكَ إذَا احْمَرَّ البُسْرُ، ولا يحسن أجِئتُكَ إنْ احْمَرَّ البُسْرُ، لأن احمرار البسر أمر يقع في وقت محدد بمعنى أنه لا محالة واقع فليس ثمة إمكانية أُخرى، والشرط بإنْ يكون مفتوحا ذا إمكانيتين: الوقوع وعدم الوقوع، لذلك يمكن أن يشترط الحدث الذي قد يقع أو لا يقع، أما الواقع لا محالة فلا قيمة لاشتراط وقوعه، إذن ماذا تفيد (إذا) في المثال السابق؟ إنها تحدد لقاء حدثين في المستقبل، ففي (أجِئتُكَ إذَا احْمَرَّ البُسْرُ) حدثان: المجيءُ والاحمرار، أما المجيءُ فهو الحدث المخبَر به أما الاحمرار فهو المحدد لزمن وقوع الفعل الأول، وليس في الفعلين أية إمكانية لعدم الحدوث أما في حالة الشرط فإنَّنا إذا قلنا (أجِئتُكَ إنْ خَرَجَ زَيْدٌ) فالمجيء الأول قد يحدث وقد لا يحدق، لأن خروج زيد يمكن أن يقع أو لا يقع، و (إنْ) تجعل بينهما تلازما لكنها لا تجعل بينهما التقاءً في نقطة زمنية معينة.
ومن أجل هذا فإنَّ سيبويه يعتبر الفعل بعد (إذا) [2] وصلا لها على خلاف (إنْ) فإنَّه ليس وصلا لها. وما دام الفعل وصلًا لها فهي إذن ليست بأداة شرط ولابد من أن نسجل هنا بعض الملاحظات حول أفكار سيبويه عن (إذا) .
-نلاحظ أن (إذا) مُنع (الجزاءُ) بها في نمط معين من الجملة الشرطية وهو النمط القيدي وهو النمط
الذي تتوسط فيه الأداة، هذا في النثر، وأُبيح في الشعر في نمط الجملة الشرطية الجزائية [3] .
-جاءَ الاستدلال على الجزم من مراقبة أفعال جواب الشرط أو المعطوفة عليها، وكلها قواف تحكمها حركة روى القصيدة كلها، فليس بالضرورة اعتبار الحركة حركة إعرابية [4] .
(1) م. ن.، ص. ن.
(2) سيبويه، الكتاب 3: 60.
(3) انظر الشواهد في الهامش (1) ص 226.
(4) الشاهد الأول هوقول قيس بن الخطيم الأنصاري:
إِذا قَصُرَتْ أَسْيَافُنَا كَانَ وَصْلُها ... خُطَانَا إلى أَعْدَائِنَا فَنُضَارِب
فالشاهد جزم (نضارب) لعطفها على محل (كان) . (سيبويه، الكتاب 3: 61) والشاهد الثاني هوقول الفرزدق:
تَرْفَعُ لِي خِنْدَفٌ واللهُ يَرْفَعُ لِي ... نَارًا إِذا خَمَدَتْ نِيرَانُهُم تَقِدِ
فالجزم في (تقد) وهي محكومة أيضا بحركة روى القصيدة.
والشاهد الثالث قول بعض السلوليين:
إِذا لَمْ تَزَلْ فِي كُلِ دَارٍ عَرَفْتَها ... لَها واكفٌ مِنْ دَمْعِ عَيْنِكَ يَسْجُمِ
والجزم في (يسجم) وهومحكومة بحركة الروى.