والخلاصة إذن أنَّ سيبويه لا يقصد بـ (يُجازى بـ) يُجزم بـ، لأنه لا يمكن أن نفهم قوله (الأسماء التي يجازى بها) على أنه الأسماء التي يجزم بها، ولا معنى للتعليل بعدم الجزم بـ (إذا) في النثر بأنها موقوتة. وهذا لا يعني أن سيبويه لا يلتفت إلى عمل الأداة وهو الجزم. فهو يرى أن الجزم والدلالة على الربط الشرطي (التعليق) أمران متلازمان في الأداة الشرطية، ولكن الربط الشرطي هو الأمر الأهم في الأداة، لذلك فهو يروى عن الخليل رأيه في المثال (كَيْفَ تَصْنَعْ أَصْنَعْ) أنَّ ذلك مستكره وأنَّ (كيف) ليست من (حروف الجزاء) ، وليس لأن إمكانية الجزم غير متحققة وإنما لأن كيف لا تربط الجملتين ربطا شرطيا على نحوما تفعل (حروف الجزاء) رغم أنها تربط بين الجملتين ولكن ليس كل ربط بين الجملتين هو ربط شرطي ولذلك فمخرجها على الجزاء لأن معناها كما قال (عَلَى أيَّ حالٍ تَكُنْ أَكُنْ) .
ويكتفي بعد ذلك الرماني [1] ثم القيسي [2] بذكر سبب عدم الجزم بـ (لو) وبهذا تكون عندهما أداة شرط غير جازمة، ومن أجل ذلك جعلها الزمخشري من أدوات الشرط مثل (إنْ) وتحدث عنهما في موضع واحد بحكم مشترك [3] .
ومن الأدوات التي فيها (معنى الشرط) ، (أمَّا) يقول سيبويه: (وأمَّا(أمَّا) ففيها معنى الجزاء. كأنه قال: عَبْدُ اللهِ مَهْما يَكُنْ مَنْ أَمْرِه فَمُنْطَلِقُ. ألا ترى أن الفاء لازمة لها أبدا) [4] .
يمكن فهم ما في (أمّا) من (معنى الجزاء) من أمرين: الأمر الأول المعنى الذي يفهم من الجملة بالطريقة التحويلية التي عمد إليها سيبويه فهو حول لنا الجملة: أمَّاَ عَبْدُ اللهِ فَمُنْطَلِقُ عن جملة: عَبْدُ اللهِ مَهْما يَكُنْ مَنْ أَمْرِه فَمُنْطَلِقُ، وبغض النظر عن صحة التحويل، فلا شك أن الجملة الأخيرة هي جملة شرطية ومن هنا فهم سيبويه أن في (أمّا) (معنى الجزاء) أي أن الأداة ذات دلالة شرطية.
وسوف نبحث تلك الدلالة في موضعها فيما بعد إنْ شاء الله [5] .
الأمر الثاني مؤيد للأول وهو وجود الفاء في التركيب ونجد الفاء أيضا في الجملة المحولة، وهي فيها رابطة ومن هنا سيبويه أن الجملة التي فيها (أما) جملة شرطية.
وقد يكون وجود الفاء أمرا مهما لتحديد دلالة الجملة على (الشرطية) في أدوات أُخرى مثل الصفات الموصولة (الذي، الذين) ، فهذه الأدوات لابد أن تكون فيها الدلالة على (العموم) أو (الشياع) هذا من حيث المعنى ومن حيث الشكل لابد أن يربط الجواب بالفاء وقد مر بنا ذكر تلك الأدوات سابقا، إذن من حيث الشكل يجب أن تكون تلك الأدوات بهذا التركيب:
(1) الرماني، معاني الحروف 102.
(2) القيسي، مشكل إعراب القرآن 1: 66.
(3) الزمخشري، المفصل 320، الأنموذج في النحو 104.
(4) سيبويه، الكتاب 4: 235.
(5) انظر ص 230.