ثم يضرب أمثلة على الجمل التي يجوز الابتداء بها، ولذا تربط بالفاء: (ومن ذلك قولك: إنْ يَقُمْ فَاضْرِبْه، فالجملة التي هي أضربْه: جملة أمرية، وكذلك إنْ يَقْعُدْ فَلاَ تَضْرِبْه، فقولك لاَ تَضْرِبْه جملة نهييه، وكل منهما يجوز أن يبتدأ بها فتقول: اضْربْ زَيْدًا، ولاِ تَضْرِبْ عَمْرًا) [1] .
ويعقب على ذلك بقوله: (فلمَّا كان الابتداء بها مما يصح وقوعه في الكلام، احتاجوا إلى الفاء، ليدلوا على أنَّ مثالي الأمر والنهي بعدها ليسا على ما يعهد في الكلام من وجودهما مبتدأين غير معقودين بما قبلهما، ومن هنا أيضا احتاجوا إلى الفاء في جواب الشرط مع الابتداء والخبر، لأن الابتداء مما يجوز أن يقع أولا غير مرتبط بما قبله) [2] . وبيّن أن طبيعة جواب الشرط أنه لا يجوز الابتداء به (ويزيد ما ذكرته لك وضوحا من أنَّ جواب الشرط سبيله ألَّا يجوز الابتداء به أَنَّك لوقلت مبتدئا: فَالله يُكَافِئُك لم يجز، كما لا يجوز أن تبتديء فتقول: فَزَيْدٌ جَالِسٌ، وكذلك لا يجوز أن تبتديء أيضا فتقول: فَاضْربْ زَيْدًا، ولا فَلاَ تَضْرِبْ مُحَمَّدًا، لأن الفاء حكمها أن تأتي رابطة ما بعدها بما قبلها، فإذا استؤنفت مبتدأَة فقد انتفض شرطها. وهذا كله غير جائز أنْ يبتدأ به، كما أن الفعل المجزوم لا يجوز الابتداء به من غير تقدم حرف الجزم عليه. ألا تراك لا تقول مبتدئا: أَقُمْ، على حد قولك: إنْ تَقُمْ أَقُمْ، فهذا كله يؤكد لك أنَّ جواب الشرط سبيله أن يكون كلاما لا يجسن الابتداء به) [3] .
ولقد حدد ابن جني بما تحته خط في الاقتباس السابق المعيار الذي يحدد الجمل التي توصل بالفاء. وهذا المعيار هو (الابتداء) . وليس هذا المعيار جديدا كل الجدة فقد وجدنا أُصوله عند الخليل وسيبويه فيما ننقله الآن (سألته عن قوله: إنْ تَأتِنِي أنا كَرِيمٌ. فقال: لا يكون هذا إلا أنْ يضطر شاعر، من قبل أن كريم يكون كلاما مبتدأ، والفاء وإذا لا يكونان إلا معلقتين بما قبلهما فكرهوا أن يكون هذا جوابا حيث لم يشبه الفاء. وقد قاله الشاعر مصطرا) [4] . هذا الكلام على إجماله - شيئا ما - هو الأصل الذي بنى عليه ابن جني معياره بشيءٍ من التفصيل.
استطاع ابن جني بهذا المعيار أن يحدد لنا ثلاث جمل يجب ربطها بالفاء هي:
(1) جملة اسمية (مبتدأ وخبر) .
(2) جملة أمرية.
(3) جملة نهيية.
ويأتي بعد ذلك الجرجاني ليأتي بمعيار آخر هو معيار (الجزم) يقول: (وإنما جاءَ الجواب بالفاء حيث لم يقدر على الجزم فقيل: إنْ تأتني فأنت مكرم لأن قولك: أنت مكرم، ليس مما ينجزم إذْ هو جملة من الاسم، والأسماء لا تجزم. فلما أُريد أن تجعل هذه الجملة جزاءً أُتي بالفاء فقيل: إن تَأتِنِي فَأنْتَ مُكْرَم، ليدل الفاء على هذه
(1) ابن جني، سر صناعة الإعراب 1: 255.
(2) م. ن.، ص. ن.
(3) ابن جني، سر صناعة الإعراب 1: 255 - 256.
(4) سيبويه، الكتاب 3: 64.