إمكانات التعبير: إمكان بالفاء وإمكان بدون الفاء، ولابد أن لكل من الإمكانين وظيفته الخاصة في التعبير اللغوي الذي لا يجعل مجالات للقول بجواز دخول الفاء وإنما بوجوب دخولها لأداء تلك الوظيفة الخاصة.
إن الوقوف عند الأشكال يهدم الحقيقة القائلة إن زيادة المبنى من زيادة المعنى، وثمة - بلا ريب - تضافر شديد بين المبنى والمعنى يستحيل معه الفصل بينهما.
ونتيجة للجمود عند الشكل نجد أنهم - رغم اتفاقهم على أن الفعل المضارع بعد الفاء مرفوع - يختلفون في تفسير ذلك -، ونشأت هذه القضية الخلافية من السؤال الآتي: ما دام الفعل المضارع قابلا للجزم فما الحاجة إلى الفاء؟
فسر سيبويه ذلك بافتراض وجود مبتدأ يكون هذا الفعل المرفوع خبرا له [1] . ونجد عند الرضى ذكرا لهذا الخلاف، حيث يقول: (وقال(ومَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللهُ منْه) [المائدة 95] مذهب سيبويه تقدير المبتدأ في الأخير ليكون جملة إسمية في التقدير.
وقال المبرد: لا حاجة إليها. وقال ابن جعفر مذهب سيبويه أقيس إذ المضارع صالح للجزاء بنفسه فلولا أنه خبر مبيتدأ لم يدخل عليه الفاء. وعلى ماذكرنا من تعليل دخول الفاء في مثبت المضارع [2] يسقط هذا التوجيه المذكور لللأقيسة وإن ثبت نحوقولك: إنْ غِبْتَ فَيَمُوتُ زَيْدٌ، لم يكن لمذهب سيبويه وجه إذ لا يمكن في مثله تقدير مبتدأ إلا ضمير الشأن ولا يجوز إلا بعد أنْ المخففة قياسا وبعد إنَّ وأخواتها للضرورة) [3] .
ولقد حاولنا جاهدين البحث عن الرأي المنسوب إلى المبرد فلم نجده في (المقتضب) ولا (الكامل) ، ولا في (الانتصار لابن ولاد) .
ولم نصادف في المصادر التي اعتمد عليها هذا البحث أحدا أورد هذه القضية الخلافية غير الرضى.
حذف الفاء وتقديرها:
ترد نصوص وأمثلة تخرج عن القواعد المقررة ن حيث أنها مما يجب دخول الفاء عليها، ومع هذا جاءت بدون الفاء، ومن أجل أن تستقيم لهم القواعد أخذوا يلوون أعناق النصوص لتنطبق على القاعدة.
وسوف نضرب أمثلة لذلك:
أولا: إنْ تَأتِِنِي أَنَا كَرِيمٌ
يسأل سيبويه الخليل عن هذا المثال، فيحصره الخليل في مستوى معين من الاستخدام وهو الشعر [4] . وفي موضع آخر يقول: (قالوا في اضطرار: إنْ تَأتِنِي أنَاَ صاحِبُك، يريد معنى الفاء، فشبهه ببعض ما يجوز في الكلام حذفه وأنت تعنيه) [5] .
(1) سيبويه، الكتاب 3: 69.
(2) أوردنا الرأي ص 292، وانظر شرح الكافية 2: 263.
(3) الرضى، شرح الكافية 2: 263.
(4) سيبويه، الكتاب 3: 64.
(5) سيبويه، الكتاب 3: 68.