ولنا ملاحظتان على هذه القضية، الملاحظة الأولى أن حصرها في مستوى معين من الاستخدام هو أمر فيه شيء من التحكم لأنه لابد من الاستناد في ذلك إلى استقراء، ولم يقدم الخليل أو سيبويه ما ينبيء عن ذلك. والملاحظة الثانية هي إهمال الملابسات التي تجعل من الفاء موجودة مرة وغير موجودة مرة أخرى ن من هذه الملابسات النبر.
ففي الحالة: إنْ تأتني أنا صاحبك
يمكننا أن نوقع النبر على (أنا) وبهذه يكون المعنى:
إنْ تَأتِنِي تَجِدْنِي مُستعدا
وفي الحالة الثانية: إنْ تَأتِنِي أنَاَ صاحِبُك
بدون نبر (أنا) يمكن أن يكون المعنى على النحوالتالي:
إنْ تَأتِنِي فَلَيْسَ غَرِيبًا لِأَنَّنِي صَاحِبُك
مر بنا أن الخليل جعل حذف الفاء في مستوى معين من الاستخدام وهو الشعر، أما سيبويه فهو لا يتابعه في ذلك وقد تبين ذلك من النص الذي نقلناه آنفا [1] . ويدل على هذا نقض المبرد له كما ننقله من الانتصار:
(ومن ذاك قوله في باب(أي) : وتقول (أَيُها تَشَاءُ لك) على معنى قولك: الذي تشاءُ لك. قال: وإنْ شئت قلت: (أيها تَشَا لك) فتضمر الفاء [2] .
وقل محمد: وهذا خطأ وإنما يجوز في الشعر على ضعف كما ذكر في باب الجزاء وهو قوله:
مَنْ يَفْعَلِ الْحَسَنَاتِ اللهُ يَشْكُرُهَا والشَّرُّ بِالشَّر عِنْدَ اللهِ مِثْلاَنِ
على أن الأصمعي أنَّ البيت مّنْ يَفْعَلْ الْخَيْرَ فَالرَّحْمنُ يَشْكُرُهَا وهذا في الشعر كما وصفت لك أيضا من الضعف) [3] .
وقد رد ابن ولاد على هذا النقض مبينا فكرة سيبويه ولا يعنينا هنا إيراد ذلك [4] .
وقد التبس الأمر على المبرد فتوهم أن سيبويه قد ناقض نفسه بما رواه عن الخليل من قصر حذف الفاء على الشعر [5] ، والحقيقة أن سيبويه لا تناقض عنده فالرأي للخليل وليس له، وقد وقع أبوحيان في وهم أيضا حيث
(1) سيبويه، الكتاب 3: 68.
(2) سيبويه، الكتاب 3: 398.
(3) ابن ولاد، الانتصار 166.
(4) ابن ولاد، الانتصار 166 - 167.
(5) انظر، ابن ولّاد، الانتصار 173.