فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 75

فقد سمع صلى الله عليه وسلم من اليهود في أمور عقدية، ولم يأنف أن يقول به حين وافق الحق.

أن يحرص على انتفاع المخالف لا ظهور القول، أو معقد الهوية:

فيكون الباعث على المخالفة، أو مجادلة المخالف هو انتفاعه بما تراه من الحق؛ لا أن يكون القصد إرغامَه وإظهارَ خطئه عند الناس.

وحين كره السلف المناظرات فلعلهم إنما رأوا سبب ذلك قلة الانتفاع منها؛ لأن أكثرها إنما يراد منه إظهار الغلبة أو إذلال المخالف ومراغمته، ونتائج هذه المناظرات إنما تزيد المخالف عنادا، وتزيد أتباعه صدودًا.

قال حسن الزعفراني كما في"الإبانة الكبرى"لابن بطة (1/ 127) سمعت الشافعي يحلف وهو يقول: (ما ناظرت أحدا قط إلا على النصيحة, وما ناظرت أحدا ما فأحببت أن يخطئ) .

وكان يقول كما في"السنن"للبيهقي: (ما كلمت أحدا قط إلا ولم أبال بين الله الحق على لساني أو لسانه) .

والمناظرة والجدل المشروعان إنما هي حين يكون الطرفان كلاهما مستعدين لقبول الحق.

ما وقع عدوان على مخالف إلا كان أكثر أسبابه جهل المعتدي فيما يتكلم فيه، أو جهله بكيفية التعامل مع المخالف في مثل هذا الخلاف.

وحتى نعرف صحة هذا التقرير النظري فإن المتأمل في حال الأمة يرى أن أكثر نزاع المختلفين، الذي يؤدي إلى هذا العدوان هو في الجهلة والمقلدين لا في أهل العلم والمحققين، وما قد يقع من بعض أهل العلم فهو على وجه الندرة، أو الزلة.

فمن أراد أن يعرف أثر العلم في كل شيء، ومنه التعامل مع المخالف؛ فلينظر إلى أثر الجهل: إنه وضع الشيء في غير موضعه، وهو الجمع بين المفترقات والتفريق بين المتماثلات، وإعطاء الشيء حكمًا مبنيًا على الوهم والشك، أو العصبية وإظهار الغلبة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت