والمعنى المرفوض هنا هو أن يغير المرء معتقده لأجله، أو أن يسكت عن الحق مع قدرته على بيانه؛ دون قدح في شخص أو مؤسسة.
أما الثبات على الأمر والتبيين بالحسنى مع الاحتفاظ بحقوق الآخرين فهو المنهج الذي قادت الأدلة إلى صحته واعتباره.
ومما لا يغيب عن فطنة الحكيم أن المجتهد في تعرية المخالفين ينبغي أن يعامل بهذه القواعد من خشية الله فيه ومعذرته والعدل معه والتلطف في معاملته؛ بما نصل به إلى تحقيق العبودية لله وحده. لا أن يفيد من هذه القواعد الضلالُ والمنحرفون، ولا يفيد منها القانت العابد الذي نذر نفسه محتسبا للشريعة، مدافعًا عن الدين.
ومع إصابة كثير ممن نعرفهم في هذا انتهاج طريقة التعرية؛ لا سيما مع دعاة التغريب والمنادين بسلخ الأمة عند دينها فإن ما أخطأوا في تطبيقه لا يخلو من فائدة يقع بها زجر العابثين بثوابت الأمة.
والطريق الصحيح لتصحيح هذه الأخطاء في هذا المعترك الحامي، وفي مفترق هذه الطرق المضلل حماية جانبهم؛ لكثرة صوابهم، مع تنبيههم إلى ما أخطأوا أو بالغوا فيه.
يقال في الهجر ما قيل في التنفير والتعرية بأنه لا يُشرع إلا لمصلحة، أو درء مفسدة، يكونان أعظم من فسدة قطيعة مسلم.
وذلك مبني على أصل عظيم، وهو بقاء حقوق الإسلام حتى يخرجنا منها يقين مصلحة الهجر، أو يقين مفسدة التواصل.
أما قول المخالف وفعله سواء كانا مبنيين على اجتهاد سائغ، أو تقليد جائز، أو على غير ذلك من المخالفة للقطعيات؛ فإن بيان دين الله وتعليم العلم والدعوة إليه من أعظم القرب وأحسن الأعمال؛ فكيف إذا كان هذا البيان دعوةً إلى أصل، أو توضيحًا لضروري؛ فإنه من أفضل الأعمال وأوجبها، وإنما قد يُراعى تأخير بيان بعض الأمور رعاية لمصلحة أعظم، أو مفسدة أشد؛ لمعنى في المخالف أو في غيره.