نختار منها ما نشاء للحكم عليه؛ لا سيما والمرء في سعة من الحكم عليه؛ فليس التعامل معه بالدرهم والدينار، ولا في مصاهرته، وإنما هو حكم أو وصف لا يحتاج إلى أن يتكلم بهما.
وأما الرد والبيان فلا يمنع منه كون الكلام محتملًا؛ فلو خشي أحد من تأثير كلامه فلينكر ذلك مع الاحتراز له بأن يقول: إن كان المعنى المقصود كذا فهو حق وإلا فهو باطل، ونحو ذلك.
وفي"التاريخ"لابن عساكر (47/ 35) قال عمر رضي الله عنه: (من عَرّض نفسه للتهمة فلا يلومَنّ من أساء به الظن، ولا تظنن بكلمة خرجت من أخيك سوءًا تجد لها في الخير محملًا، وضع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك منه ما يغلبك) .
وقال الإمام ابن تيمية كما في"مجموع الفتاوى" (31/ 114) : (ومن أعظم التقصير: نسبة الغلط إلى متكلم مع إمكان تصحيح كلامه، وجريانه على أحسن أساليب كلام الناس، ثم يُعتبر أحد الموضعين المتعارضين بالغلط دون الآخر .. ) .
وقد طبق شيخ الإسلام ابن تيمية هذا الضابط لما تناول قول الجنيد: التوحيد إفراد القدم من الحديث .. فقال في"الاستقامة": (1/ 92) : ( .. هذا الكلام فيه إجمال، والمحق يحمله محملًا حسنًا، وغير المحق يدخل فيه أشياء .. وأما الجنيد فمقصوده التوحيد الذي يشير إليه المشايخ، وهو التوحيد في القصد والإرادة وما يدخل في ذلك من الإخلاص والتوكل والمحبة .. وهذا حق صحيح، وهو داخل في التوحيد الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه) .
ومنه أيضًا حمله قول بعض الصوفية: ما عبدتك شوقًا إلى جنتك، ولا خوفًا من نارك، ولكن لأنظر إليك إجلالًا لك فقال في"الفتاوى" (10/ 698) : ( .. وهذا كحال كثير من الصالحين والصادقين، وأرباب الأحوال والمقامات، يكون لأحدهم وَجْدٌ صحيح، وذوق سليم، لكن ليس له عبارة تبين مراده؛ فيقع في كلامه غلط وسوء أدب، مع صحة مقصوده) .