وقد حقق هذه المسألة الإمام ابن تيمية رحمه الله؛ فرأى أنه لا يفرق في ذلك بين الأصول
والفروع؛ فقال في"مجموع الفتاوى" (1/ 207) : ( .. والفرق بين مسائل الفروع والأصول إنما هو من أقوال أهل البدع من أهل الكلام والمعتزلة والجهمية، ومن سلك سبيلهم، وانتقل هذا القول إلى أقوام تكلموا بذلك في أصول الفقه، ولم يعرفوا حقيقة هذا القول ولا غوره) .
وقرر في هذا الموضع أنه لا يوجد ضابط صحيح للتفريق بينها، وأن كون المسألة قطعية أو ظنية هو أمر إضافي بحسب حال المعتقدين؛ فليس هو وصفًا للقول في نفسه؛ فإن الإنسان قد يقطع بأشياء علمها بالضرورة؛ أو بالنقل المعلوم صدقه عنده، وغيره لا يعرف ذلك لا قطعًا ولا ظنًا، وأن ذكاء المحكوم عليه وعدمه مؤثر في هذا.
كما قرر أن من شأن أهل البدع أنهم يبتدعون أقوالًا يجعلونها واجبة في الدين، بل يجعلونها من الإيمان الذي لا بد منه، ويكفِّرون من خالفهم فيها، ويستحلون دمه؛ كفعل الخوارج والجهمية والرافضة والمعتزلة وغيرهم.
أقول: وقد صار الحكم على الناس بالبدعة مبنيًا على هذه المسألة، دون أن يعرف المتكلم فيها دليلًا أو ضابطًا.
فلو سلمنا بالتفريق بين مسائل الفروع والأصول، والقطعية والظنية فإن مسائل البدع العملية التي يختلف فيها الناس، وتبنى على الاستنباط هي من مسائل الفقه والظن لا من مسائل القطع واليقين، وتكون في أبواب الفقه، وليست في أبواب العقائد، وعلى التسليم بالفرق فإن محل مصنفات البدع العملية هو قسم الفقه وليس قسم العقيدة.
والبدع العملية هي التي تكون في الصلوات؛ كدعاء ختم القرآن فيها، والأذكار؛ كالذكر الجماعي، والأعياد؛ كالمولد واليوم الوطني، وتعليق التمائم من القرآن، والتعريف في الأمصار.