لاختارت أمتك الدنيا على الآخرة، وأما الشيء الذي ناداك من جانب الطريق فهو إبليس. ثم قدّم جبريل عليه السلام لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنائين في أحدهما خمر، وفي الآخر لبن، وقال له اختر ما شئت، فاختار رسول الله إناء اللبن فشربه، وأعرض عن الخمر، ولم تكن لخمر قد حرّمت في الإسلام حينئذ، فلما اختار الرسول اللبن قال له جبريل: هديت إلى الفطرة، ولو شربت الخمر لغويت وغويت أمتك.
فقال الرسول - صلى الله عليه وسلم:"الله أكبر الله أكبر، اختار اللبن بدلا من الخمر الذي يذهب العقل، ويدمّر الجسم، ويفسد الإرادة، ويتلف البدن، والأدهى من ذلك كله أنه يوقع العداوة والبغضاء بين الناس، فلما شربه - صلى الله عليه وسلم - آثر الصالح على الفاسد وهذا سنة الله التي فطر الله الناس عليها، وهي سنن دائمة الوجود باقية بقاء الدنيا لما فيها من نفع للناس أجمعين، ولذا فقد قال له جبريل عليه السلام: هديت إلى الفطرة، نزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند بيت المقدس، وصلى بالأنبياء إماما، وربط البراق بحلقة باب المسجد ثم عرج به في صحبة جبريل عليه السلام، وفي السماء الدنيا، التقى بآدم عليه السلام، فتبادلا السلام والتحيّة، ثم دعا آدم له بخيرٍ، وقد رآه النبي - - صلى الله عليه وسلم - - جالسًا وعن يمينه وشماله أرواح ذريّته، فإذا التفت عن يمينه ضحك، وإذا التفت عن شماله بكى، فسأل النبي - - صلى الله عليه وسلم - - جبريل عن الذي رآه، فذكر له أنّ أولئك الذين كانوا عن يمينه هم أهل الجنّة من ذرّيّته فيسعد برؤيتهم، والذين عن شماله هم أهل النار فيحزن لرؤيتهم."
ثم صعد السماء الثانية ليلتقي عيسى و يحيى عليهما السلام، فاستقبلاهُ أحسن استقبالٍ وقالا"مرحبًا بالأخ الصالح والنبيّ الصالح"وفي السماء الثالثة، رأى النبي- - صلى الله عليه وسلم - - أخاه يوسف عليه السلام وسلّم عليه، وقد وصفه عليه الصلاة والسلام بقوله: أته أعطي شطر الحسن) رواه مسلم (ثم التقى بأخيه إدريس عليه السلام في السماء الرابعة، وبعده هارون عليه السلام في السماء الخامسة.
ثم صعد جبريل بالنبي- - صلى الله عليه وسلم - - إلى السماء السادسة لرؤية أخيه موسى عليه السلام، وبعد السلام عليه بكى موسى فقيل له:"ما يبكيك؟"، فقال:"أبكي؛ لأن غلامًا بُعث بعدي، يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخلها من أمتي"ثمّ كان اللقاء بخليل الرحمن إبراهيم عليه السلام في السماء السابعة، حيث رآه مُسنِدًا ظهره إلى البيت المعمور - كعبة أهل السماء - الذي يدخله كل يوم سبعون ألفًا من الملائكة لا يعودون إليه أبدًا، وهناك استقبل إبراهيم عليه السلام محمد ودعا له ثم قال: يا محمد، أقرئ أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة، عذبة الماء، وأنها قيعان، وأن غراسها: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر. (رواه الترمذي) .